كان شيلر إذ ذاك سادرًا حزينًا ضاقت عليه الدنيا وأحاط به الحزن حتى تخايل له الموت. أليس هذا الوقت مناسبًا للشاعر كي يغنّي ألمه، وينفث شجاه، ويرتل أنشودة الحزن؟ كلاّ! إن شيلر وقد أطبق عليه الحزن سيصوغ للسرور نغمة خالصة. فهو يؤلف في تموز قصيدته المشهورة"أنشودة الفرح". وقد اتفق في ذلك الوقت أن لقي طالبًا يدرس اللاهوت شقيًا يهمّ أن ينتحر، فهو يصلي قبل أن يلقى بنفسه في النهر خلاصًا من الشقاء.
لقد اشتبكت تعاسة شيلر من جهة ومرارة هذه الحادثة المؤلمة من جهة أخرى فخرج من هذا الاشتباك ترتيل الفرح وتمجيده، ترتيل الفرح الغائب يتلامح في الخيال بين حنادس الشقاء:
"أيها الفرح! أيها النور الآلهي! يا وليد الجنّة المحبوب! ندخل في محرابك أيها الملاك السماوي ونحن سكارى من سناك! أيها الفرح! أيها الحافز القوي للطبيعة السرمدية! نرى أعلامك تتموّج من خلال النعوش المنفرجة. الحزن والفقر هاهما ذان قد أقبلا إلينا ليفرحا مع الفرحين."
استلهم بتهوفن أنشودة الفرح هذه وصاغها في الموسيقى سنة 1823 فكانت موضوع السمفونية التاسعة.
وتدل الوثائق على أن بتهوفن حاول أن يصوغ أنشودة الفرح هذه في الموسيقا منذ ثلاثين سنة حين كان فتى في الثانية والعشرين من عمره. فبقيت تلك الرغبة تعمر قلبه حتى سنة 1823 حين بلغ من العمر اثنتين وخمسين سنة. أفمعنى ذلك أن الفتى اتنظر أن يتذوق أفاويق السعادة ويكتحل بأنوار السرور ويتعرّف أعماق الفرح حتى يسكب في موسيقاه خوالج تلك السعادة التي تذوّقها ويصور ألوان الفرح المزهُوَّة التي تعرَّفها؟ وهل كانت تلك السنة 1823 أوجًا للسعادة والفرح عنده؟