فهرس الكتاب

الصفحة 7633 من 23694

لقد عاش بتهوفن شقيًا بائسًا في أغلب حياته ولو انحنى أمامه الملوك. أحبّ أو خطب أربع مرات فلم تحفل الفتيات حبَّه وآثر بعضهن عليه الشيوخ المتموّلين. ثم مات له أخ وكان له ابن فكفل بتهوفن ابن أخيه. ولكن هذا الولد كان طائشًا شديد الطيش زاد شجون عمّه وأفنى ما عنده من بلغ المعاش.

كتب بتهوفن في سنة 1818 ما يلي:"أراني في عُدم شديد أخشى أن يضطرني إلى التسآل. ومع ذلك ينبغي أن أتظاهر بالكفاف."ثم كتب إلى بعض الرجال البارزين في عصره أمثال المؤلف الموسيقى شيروبيني والشاعر غوتي يسترفدهم قليلًا من مال أو بُلغَةً من كفاف فلم يرسلا إليه شيئًا. بل لم يتنزلا إلى كتابة جواب له.

راودته فكرة الانتحار فهل يفعل؟

ولكنه قال في حين سالف:"سأمسك بالقدر من شدقه فلن يستطيع أن يحنيني تمامًا."فهو يصرف اهتمامه عن الحياة وينغمس في الفن ويحاول أن يحلّق في جوائه البعيدة وأن يستشفّ فيها أنوار الفرح الخيالية. كتب في ذلك العهد:"هذا خريف العمر يقبل وأريد أن أشبه تلك الأشجار الخصيبة التي إذا هُزَّت ساقطت بثمراتها الناضجة الشهية."

ولكن داءً مازال شبحه يخيفه منذ أمد ويقترب منه شيئًا فشيئًا حتى أصاب رميته. فقد أطبق عليه الصمم وحرمه حتى مُتعَتَه الوحيدة وهي تلك الأصوات التي كان يجد فيها عزاءه وسلواه ونعيمه. فَليصَدح إذن وقد بلغ القنوط منه مبلغه بالفرح النابر وليُنجز تلك الرغبة القديمة الدفينة فليُغَنِّ أنشودة الفرح وليسكب تلك المعاني التي تَغَنَّى بها قبله شيلر موسيقى خالدة، وليَكتب آخر سمفونية له. بيد أن الآلات جميعها كأنها لا تكاد تكفيه لتصوير الفرح الذي تذوقه في حياته وتجسيم السعادة التي سبر أغوارها في سلف أوقاته. لذلك يلجأ في آخر السمفونية إلى الأصوات البشرية فيجعلها تواكب الأنغام لعلها تسنفذ الإلهام:

"أيها الفرح! أيها النور الإلهي! يا وليد الجنة المحبوب! ندخل في محرابك أيها الملاك السماوي ونحن سكارى من سناك!)"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت