فهرس الكتاب

الصفحة 7634 من 23694

لجأ بتهوفن وشيلر إلى جوّ خيالي حين ضاقا ذرعًا بواقعيهما لعله يضمن لهما ولو بالوهم نصيبًا من الرَّوح وتسكين التباريح فصوّرًا بالموسيقى وبالشعر غير ما عاشاه وما كابداه. ومن هنا يستبين لنا بعض وظائف الفن، فهو بلسم يُجدي وإن كان لا يشفي، يسكِّن ولكنه لايُبرِئ. إنه ضرب من التنفيس عن الكرب أحيانًا ولجوء إلى عالم لا واقعي.

ولكنه أيضًا صناعة قد تعود على صاحبها بالكسب كغيرها من الصناعات، إنه حرفة، كما سنرى، تسوِّغ للفنان أن يعالج موضوعات تعود عليه بالربح وتكفُل لهُ بُلَغ المعاش. فالتفاوت بين حياة الشعراء والفنانين وشخصياتهم وآثارهم الفنية ممكن بل هو كثير الاحتمال.

هذا الاحتمال ووجوهه درسها المفكر الفرنسي شارل لالو الذي كان أستاذًا لمادة علم الجمال في السوربون (باريس) دراسة مستفيضة في كتبه. فبعضها يحمل عنوان"الفن بعيدًا من الحياة"وبعضها يحمل عنوان"الفن قريبًا من الحياة". وهو يحصر وجوه الاحتمال هذه في خمسة ضروب من العلاقات يدعوها بالعقد النفسية الفنية إذ هو متأثر ببحوث التحليل النفساني وهي عقدة الهروب، وعقدة الصناعة، وعقدة الاقتصاد، وعقدة التداوي بالمثل، وعقدة الذاتية.

لفظ العقد لا يتضمن خفضًا ولا تقريظًا ولا إشارة إلى مرض نفسي أو غيره وإنما هو عبارة تقصد إلى التصنيف لأن صاحبها تأثر ببحوث فرويد كما تأثر بمدرسة دركايم الاجتماعية التي تدرس الظواهر من (الخارج) دراسة موضوعية. ويجوز أن نقول في مكان العقد"نموذجات"وهذا لفظ أحدث لأنه يقابل في الوقت الحاضر ما يدعى في علم الاجتماع"موديلات". ولكن نتابع هنا تعبير لالو بعض المتابعة.

في مثال شيلر وبتهوفن تتضح عقدة الهروب والانطلاق من إسار الواقع. أما عقدة الصناعة فهي تحمل الأديب والشاعر والفنان أيًا كان على توخّى الإجادة مترسمًا مراعاة الأحوال واقتضاء الصروف واتجاه الأرزاق دون اهتمام بالواقع أو التقيّد بالصدق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت