وقد دفعه طموحه العلمي إلى ترك المعرة وأهله فيها، وشدّ الرحال إلى بغداد لملاقاة العلماء، وللاطلاع على ما حوته خزانة بيت الحكمة من كتب وعلوم.
وبالعراق رجالٌ قربهم شرف
ولا ننسى الدور الذي لعبه الواقع الاجتماعي والثقافي في حياة أبي العلاء الفكرية، هذا الواقع الذي أخذ يتأثر بوطأة السياسة والحكم، ويشارك في توجيه مجرى الأحداث وتحديد سير الحياة العامة إلى حيث قدر لها في ذلك الزمان. ... ولا أّمرُّ بخلقٍ غيرِ مضطغِنِ
فالحوادث السياسية"التي تقلبت على حلب ومعرة النعمان منذ نشأة أبي العلاء حتى أيام شيخوخته، كانت سلسلة من الأهوال والفتن. فإلى منازعات الحكام والولاة والطامعين الفاطميين في الجنوب، كانت زحوف البيزنطيين قد استشرت في الشمال وباتت تهدد حلب وما حولها بعد استيلائهم على أنطاكية ( [2] ) "
وهذه الأجواء المضطربة،"التي تقترن عادة بتراخي المبادئ الأخلاقية واضطراب المعتقدات الدينية واستشراء الفساد، تركت آثارًا عميقة في نفس أبي العلاء، حيث يتجلى ذلك في شعره ونثره" ( [3] )
وترى بنت الشاطئ أن النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، قد شهد بدء انهيار الدويلات الفتية التي قامت في أقطار الدولة العربية الإسلامية، وكان لها من القوة ما هيأ لها الظفر والاستقلال الذاتي، مع التبعية الرسمية لبغداد مركز الخلافة. كما كان لها دور واضح في النهوض بالأقاليم في ظل ما يشبه نظام الحكم المحلي.