فهرس الكتاب

الصفحة 18449 من 23694

وكان من الممكن لو أسعفت الظروف وقبلت سنة الحياة، أن تقوى الدولة الإسلامية بقوة أقطارها وهمة أمرائها، لكنَّ ضعف السلطان المركزي ببغداد عجَّل بانهيار هذه الدويلات القوية في الأطراف، حيث كان الأمراء ملزمين بالحرص على الارتباط الاسمي بخليفة المسلمين، احتفاظًا بالمظهر الديني لقيادة الجماهير المحكومة. فكانوا يلتمسون السند الشرعي لعروشهم بولاء جبري للخلافة، تدعيمًا لسلطتهم الإقليمية وكسبًا لطاعة المحكومين. فكل قائد يبلغ مبلغ القوة والنفوذ، يستطيع أن يخرج على الأمير إذا اشترى تأييد الخليفة. وكل مظهر من مظاهر الضعف في ولاة الأقاليم يعالجه الطامحون من جندهم ومواليهم، أو جيرانهم ومنافسيهم بضربة باترة يباركها الخليفة في بغداد.

كل هذا التخبط في الإدارة السياسية يستشري ويتفاقم، والشعوب بمعزل عن هذا كله أو بعضه، تسمع به أو تشهده ولا فرق عندها بين غالب أو مغلوب، ولا بين حاكم شرعي أو غير شرعي.

وقد شهد القرن الرابع بداية ترنح إمارات الأقاليم تحت وطأة التنافس والتقاطع ولطمات الدس والكيد، والعدو واقف بالمرصاد يتربص بها الدوائر، وإلا فما بال أبي الطيب المتنبي يجتاز الطريق إلى إمارة الحمدانيين في حلب وهو يبصر هذا التفكك في الحكم والتفسخ في السياسة، فينشد:

لا أقتري بلدًا إلاّ على غَرَرٍ

ولا أُعاشرُ من أملاكهم ملكًا ... إلا أحقَّ بضرب الرأس من وثن ( [4] )

امتد هذا التفكك وتعاظم في عصر أبي العلاء، فقلبُ الدولةِ في بغداد قد وهى وتصدع، وأصبحت مراكز الحكم مسرحًا للفتن والمؤامرات، وسوقًا للصفقات، وموطنًا للدسائس والمؤامرات، إذ ضعف شأن القائمين بالأمر في بغداد، وتسلط الأتراك فأكثروا فيها الفساد، حتى صرخ أبو العلاء متبرمًا متذمرًا: ... أَمرتْ بغير صلاحها أمراؤها

مُلَّ المُقام، فكلم أعاشرُ أمةً

ظلموا الرعيةَ واستجازوا كيدَها ... فَعَدَوْا مصالَحها وهم أجَرَاؤها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت