فهرس الكتاب

الصفحة 18450 من 23694

ويقال إنَّ الحاكمَ الفاطمي لما سمع أبيات المعري هذه، صاح: (لقد صدق، ولهذا نقتل بعضهم ونحبس بعضًا) ( [5] ) . ... وإنْ قلتُ اليقينَ أطلتُ همسي

وقد جلجلت في ذلك العصر أصوات بنحل دخيلة وملل طارئة، من مثنوية وحلولية وتناسخ وزندقة، وجبرية وقدرية، وسنية وشيعية، ومعتزلة وأشعرية، حتى تخفت الحقيقية، واختلت الموازين وتاهت القيم. فأصبح العاقل الحكيم في ذلك العصر يخاف أن يجأر أو يجهر برأيه أو بمعتقده، فهو مضطر إلى الصمت تارة، وإلى الهمس تارة أخرى، مخافة من أذى الحكام أو تألب العامة، أو عداء من تصيبهم لواذعُ أبي العلاء من جهلة المتفقهين، أو من أصحاب الفرق المتنفذين. أما الآراء الباطلة والمعتقدات المنحرفة فهي تصل إلى الأسماع بصوت جهير لا يخاف صاحبه القمع ولا يخشى الرقابة، يقول أبو العلاء:

إذا قلتُ المحالَ رفعتُ صوتي

ويقول متعجبًا في موضع آخر: ... وما للحق يهمسُ في السِّرار

فما للمَيْن يَنْطِقُ بالتنادي

وقد هاجم أبو العلاء في شعره الأفراد، وعاب سلوك أولئك الذين يتخذون المبادئ والعقيدة وسيلة للوصول إلى مكاسب شخصية. ولم يخف عليه،"أن هنالك فرقًا بين الموقف تجاه فلسفة هذه الحركات ومبادئها وبين الموقف تجاه القادة، أو المستغلين لهذه المبادئ والأفكار." ( [6] ) ... بصاحب حيلة يعظ النساءَ

لهذا لا غرو أن يتأبى عليه هؤلاء الجهلة من المتفقهين، الذين يضللون العامة بجهلهم وقلة تبصرهم، ثم يفعلون بخلاف ما هم به يأمرون:

رويدك قد غررت وأنت حرٌّ

يحرِّمُ فيكمُ الصهباءَ صبحًا ... ويشربها على عَمْدٍ مساءَ

وكيف لا يعاديه أصحاب الفرق والنحل، وكل منهم ينافس الآخر ويسعى إلى التسلط على أفكار الشعب وامتلاك أكبر عدد ممكن من الأتباع والمريدين، حتى وقف هذا الشعب حائرًا لا يهتدي إلى طريق ولا يسترشدُ إلى سبيل: ... غواةً بين معتزل ومُرْجِي

وجدتُ الناسَ في هَرْجٍ ومَرْجِ

أفي الدنيا لحاها اللهُ حقٌّ ... فيُطلبَ في حنادسها بسُرْجِ ( [7] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت