وينظر أبو العلاء إلى أصحاب هذه الفرق، وتصل إلى أسماعه أنباء مناظراتهم ومجادلاتهم، فينكر حججهم الباطلة، وادعاءاتهم الواهية، ويأسف للحقيقة تضيع في أيدي العابثين والهازلين، فلا يتوانى عن السخرية بهم والإزراء عليهم، فيتمتم قائلًا: ... بأصحابه والباقلانيَّ أهزلُ
وأعلمُ أنَّ ابن المعلم هازلٌ
وكم من فقيهٍ خابطٍ في ضلالةٍ ... وصحبتُه فيها الكتابُ المنزَّلُ
وابن المعلم هذا، هو محمد بن محمد الذي عاصره أبو العلاء ومات سنة 413هـ، وقد انتهت إليه رئاسة الشيعة في وقته. أمّا الباقلاني، فهو محمد بن الطيب المتوفى سنة 403هـ، وإليه انتهت رئاسة الأشاعرة في وقته. ... وإنما دينُهم دينُ الزناديقِ
لقد كان بعض الناس يرون في هذه الخصومات والمناظرات مظهرًا من مظاهر التعددية الفكرية، ولونا من ألوان النشاط المعرفي الذي بدأ في القرن الثاني واستمر في تفاقمه إلى أيام أبي العلاء، كما يرون فيه إثباتًا لحرية الرأي وتنوع الثقافة في ظل الحكم الإسلامي المجيد. ولكن أبا العلاء لم يكن يركن إلى هذه الرؤية ولا يتسجيب إليها، بل كان يرى أن الشريعة الإسلامية السمحة، جاءت بما يقبله العقل ويقرُّ به المنطق. أما ما سوى ذلك، فهو ضرب من ضروب التفسخ العقائدي، ونزعة من نزعات النفس التي تقودها الأهواء إلى التحكم والتسلط، بغية البحث عن المكاسب الدنيوية الفانية والإعراض عن الأصول الشرعية الموصولة إلى الأخرى الباقية.
وها هو ذا يفصح عن ذلك بكل جرأة وصراحة، قائلًا:
تستروا بأمورٍ في ديانتهم
نُكذِّبُ العقلَ في تصديق كاذبهم ... والعقلُ أولى بإكرام وتصديقِ