فهرس الكتاب

الصفحة 18452 من 23694

وفي موضع آخر من لزومياته، يعود إلى أهمية تحكيم العقل في نبذ ما يشيع في الناس من آراء هذه الفرق وتشدقات هذه المذاهب. فهو لا يوارب ولا يجامل، بل يصرح بأسماء هذه الفرق وبأسماء أصحابها، كما ينبغي لصاحب الرأي الحر والعقل المستنير والمثقف الذي سيحفظ له أنه كان شاهدًا أمينًا على عصره، لا ينقاد كما تنقاد العامة، ولا يُسام كما تُسام الدهماء، فيقول: ... ناطقٌ في الكتيبة الخرساءِ

يرتجي الناسُ أن يقوم إمامٌ

كذبَ الظنُّ لا إمامَ سوى العقل ... مشيرًا في صبحه والمساءِ

فإذا ما أطعتَه جلب الرحمةَ ... عند المسير والإرساء

إنما هذه المذاهبُ أسبابٌ ... لجرِّ الدنيا إلى الرؤساء

وأيضًا حمل أبو العلاء على بعض الفرق الصوفية، التي حادت عن الينابيع النقية للتصوف، وسرتْ في صفوفها أشكالٌ من الرقص والاهتزاز؛ وليس ذلك من الدين في شيء. ... فقل لهمُ وأَهْوِن بالحلولِ

يقول فيهم:

أرى جيلَ التصوف شرَّ جيلٍ

أقالَ الله حين عبدتموه ... كلوا أكلَ البهائم وارقصوا لي

بهذه البصيرة النافذة وبهذا الفكر المتفتح، يدرك أبو العلاء أنَّ المذاهب لم تنجم عن خلاف في العقيدة أو تنوع في الرأي، وإنما نجمت لأبعاد سياسية ونوازع دنيوية، الغرض منها تقويةُ السلطان وخدمةُ أصحاب الصولجان. ... على سنِّ ابنِ تجربةٍ مسنِّ

عندما نظم أبو العلاء شعره وكتب نثره في رسائله المختلفة، لم يقتصر في كتاباته على النقد السياسي والخلقي والاجتماعي، وإنما تجاوز ذلك إلى تصوير المثل الإنسانية العليا. فخاض في معظم ميادين الفكر، وتحدث في الإيمان والملائكة والرسل والشرائع والمذاهب والتقوى والعقل والمجتمع والطبيعة البشرية والسياسة والإدارة. وكانت له آراؤه الخاصة برجل الدين وبالعامة والمرأة والزواج والنسل والزهد والجسد والروح.

وأغلب الظن أن التنسك والابتعاد عن مباهج الحياة أعطيا أبا العلاء، صفاء في الرؤية وعمقًا في التفكير.

عرفت صروفَه، فأزمتُ منها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت