وبعد هذا الموسم أخذت قريش تسترد مكانتها، وقد انتصرت على الأحباش، وكانت قريش تحتل مركزًا تجاريًا بارزًا في الجزيرة، إلى جانب مكانتها الاجتماعية والدينية، ولبثت مكة حرمًا مقدسًا لا يقتحمه عدو مغير.
وفي العقد الأخير من عام 580م. اجتمع سادة قريش في دار عبد الله بن جدعان لدراسة قرار الروم بمنع قوافل العرب من الدخول إلى الشام بعد أن ثار أبناء المنذر الغساني على الروم بسبب حجز أبيهم في القسطنطينية واستغلال المناذرة هذا الخلاف بين الروم والغساسنة وتوغلهم في بلاد الشام، ودرس المجتمعون الكوارث التي تحيق بالعرب بسبب إقفال حدود الشام، فيطلب إليهم ورقة بن نوفل أن يخلدوا للسكينة، وتكلم أبو سفيان الذي أصيبت تجارته، فأبدى مناصرته للغساسنة ضد الروم، وقرر المجتمعون أن يرسلوا وفدًا لملك الحيرة لوقف الغزو على بلاد الشام.
ويقصد أبو طالب منزله بعد حضور الندوة، فيضم اليتيم إلى صدره وقد بلغ الثانية عشرة من عمره، وينظر إليه وهو يضحك ويتفحصه ويركز بصره على كتفه الذي يحمل خاتم النبوة، ويذكر طفولته وهو يرعى الغنم. فيتذكر طفولة موسى وعيسى ثم يخرج من تأملاته وهو أكثر إيمانًا بحديث بحيرا، ويسأله الطفل:
إن كان يؤمن بالأصنام، فيبهت أبو طالب للسؤال، وتزداد دهشته حين يقول له الطفل اليتيم: أما أنا فمازلت أمقتها وأجفوها.