ومرت أربعة أشهر على رجوع أبي سفيان من الشام إلى مكة، وقد أخذت مكة تستقبل وفود القبائل استعدادًا لسوق عكاظ، وتبارى الشعراء الذين تنبهت مشاعرهم القومية بعد هزيمة الأحباش في عرض قصائدهم في سوق عكاظ، وأهدى سيف بن ذي يزن إلى الكعبة كسوة فاخرة حملها عبد المطلب في زيارته، فكان من شأن هذا التلاقي أن يوحد كلمة العرب، ويصفي الأحقاد، ويقرب بين القبائل. وأهدى النعمان ملك الحيرة مجموعة نفيسة من التحف، وفي غمرة هذا الحشد العامر من الناس يبرز ورقة بن نوفل وهو في السبعين من عمره، فشكر الله الذي منع البيت وطهره من الرجس وترحم على عبد المطلب الذي غيبه الموت، وهنأ العرب بالنصر، وخطب أبو طالب فمدح ملوك الغساسنة والحيرة، وأظهر دور قريش في حماية البيت وسدانته، والسهر على أمن الحجيج إليه، وانقضى الموسم فتوجه ورقة إلى سفح الجبل القائم بين مكة وعكاظ، فأشرف على مكة وطافت في نفسه الخواطر فانثنى يقول:
-ان هذا الهواء الذي ينبعث نديًا سائغًا، يحمل إلى نفسي عبق ذلك النبي العظيم الذي سيجيء بعثه منحة من أبهر مِنَحِكَ أيها الإله القدير، وان في قدرتك يا رب أن تطبع هذه الصحراء المتبرمة بعزلتها عن العالم جلال الديانة، وعظمة النبيين الذين يحملون إلى الإنسان الغريق الخلاص.
واتجهت الجموع من مكة إلى عكاظ، وكانت أسماء الشعراء المشاركين في الموسم مكتوبة بالذهب، ويقبل عنترة وقيس بن زهير وعلقمة بن عبدة وزهير وحسان وعروة والخنساء، ويجلس شرفاء الوفود من قريش وغسان ولخم وحمير في أماكنهم، ثم يقبل النابغة حزينًا يتعثر في مشيته، ويسأل الناس عنترة عن سر وجومه فيخبرهم بقصة زيارة النابغة لملك الحيرة، ورؤيته زوجته المتجردة، وما قاله فيها من وصف رائع، وغضب ملك الحيرة لصراحته في وصف زوجته. ويلقي عنترة والنابغة أجمل شعرهما في عكاظ فتطرب النفوس وتهيج، وكان الشعر ديانة العرب الوحيدة في الجاهلية التي تهذب النفس وتصقلها.