ويمر حسان بن ثابت في طريق عودته بالبلقاء، ويحاول أن يزور الكاهن سطيحًا ومعه أمية، فلا يجدانِهِ في كهفه، بل يجدان عجوزًا شمطاء تسخر من أمية وادعائه النبوة، وتعرف أنه المتنبّئ الكذاب من قروح في وجهه، ويعلمان منها أن سطيحًا في البتراء، فيتابعان طريقهما إليها ويقفان أمام معالمها العربية الأصيلة، وقد كانت مدينة عظيمة نافست روما، ويلتقيان فيها قافلة أبي سفيان عائدة من دمشق، وبعد قليل خرج من المغارة سطيح ومعه شق بن أنمار بن نزار، وكان ذا يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة، وكان سطيح يدرج في ثوب ولا عظم له إلا الجمجمة، وقد بعث منظرهما الرعب في نفوس الوافدين، وكانت لهما مكانة عظيمة في النفوس لمعرفتهما الغيب ودورهما في التحكيم بين الناس والقبائل، ويتكلم سطيح فيبشر هؤلاء الرعاة من العرب بفجر جديد ونهضة عظيمة، يقود لواءها نبي عربي عظيم من ولد غالب بن فهر، فيبكي أمية لأنه لن يكون ذلك النبي، ويطلب حسان من سطيح أن يقرأ له طالعه فينبئه أنه سينال حظوة لدى النبي الجديد، وسيسعد هو وأولاده بصحبته. ويعود الركب في طريقهم إلى الحجاز وأمية يردد:
-قتلني سطيح..!!
وتعرّس قوافل أبي طالب في رحلة أخرى في (بلاس) قرب دمشق، وقد اجتمع النصارى في دير الحارث لسماع صلاة بحيرا الراهب الذي يعتكف بعد الصلاة في (بلاس) . فيذهب أبو طالب لمقابلته ويدعوه بحيرا وصحبه لتناول الغداء، ويتخلّف عن الركب طفل في العاشرة من عمره، طفل يتيم ماتت أمه فكفله جده عبد المطلب، فلما مات جده كفله أبو طالب وأحبّه. وكان يرافق القافلة إلى بصرى، فيطلب بحيرا إحضاره، ويسأل عن اسمه، فيعرف أنه يدعى محمدًا. ويتملّى بحيرا طويلًا بقسمات الطفل الهادئ الوادع، ثم يستبد به ذهول.. فيقول لأبي طالب: