وأنست طبيعة دمشق الساحرة أبا سفيان وحسان وأمية ما فاه بحيرا عن النبي الجديد، وقد اقتربوا من شاطئ بردى، فإذا هم يسمعون صوت استغاثة يصدر عن امرأة عربية تعرضت لعدوان علج من الروم، فامتشق الثلاثة سيوفهم وكان الصوت صادرًا من أحد القصور المطلة على بردى، فعثروا على فتاة عربية من كندة تستنجد وقد دهمها القائد الرومي هيباس وجنوده قبل أن تلج القصر، يراودها عن شرفها، فلما سمع وقع حوافر الفرسان العرب الثلاثة، هرب موليًا الأدبار، ثم يتبين لهم أنها هند بنة امرئ القيس خلّفها أبوها وهو في طريقه إلى القسطنطينية في حماية دمشق، لتتوسط الغساسنة في استرداد دروع أبيها التي أودعها قبل موته عند السموأل بن عاديا، ثم أخذها الروم منه، ويظهر للقوم أن هند بنة امرئ القيس على علم بخبر النبي الجديد. فتطلب منهم أن ينطلقوا إلى سطيح الكاهن ليعلمهم بنبئه. ويعرض عليها الثلاثة أن ترافقهم إلى بصرى فتعتذر لأنها تريد أن تنتقم من هيباس فتشكوه إلى عامل قيصر، فإن لم ينتصف لها ستلجأ إلى هانئ بن مسعود سيد بني شيبان.
وفي تلك الليلة ذاتها كان الفتى عمرو بن الحارث الغساني الذي بهر جماله العذارى يطارح حبيبته مارية الغرام في قصره المطل على بردى فشغله ذلك عن سماع صوت استغاثة هند، وكانت مارية جارية أهداها قيصر الروم إلى عامله المنذر فأحبها وأخوه عمرو وساح معها أكثر من مرة في بلاد الروم، وعاشت مارية في قصر البريص، وفيما هما يتناجيان في تلك الليلة، سمعت مارية جلبة، فأضاء حراس القصر المشاعل فعثروا على أبي سفيان وصحبه، وأطل عمرو فدعاهم للدخول إلى قصر الغساسنة، وأكرم وفادتهم ولا سيما أن من بينهم شاعر الغساسنة حسان بن ثابت، ووقعت عينه على هند فقدَّر أنها من قريبات هؤلاء الحجازيين.