لم تكن الزيارة هي الأولى أو الأخيرة التي يقوم بها أمية بن أبي الصلت لبلاد الشام، فقد كان دائب السفر إلى الشام، وثيق الصلة بالرهبان والأديرة.
وفي كل مر ة يحدثه عن اقتراب ظهور النبي الموعود، فقرر هذه المرة أن يزور الراهب في طريقه إلى دمشق ليتثبت منه عن حقيقته، فلما بلغ بصرى تحول إلى ديرها فدلف إليه بحيرا وكان شيخًا يدب على العصا، فسِأله أمية:
-ما تحدثني هذه المرة عن النبي المبشر..؟؟
فالتفت بحيرا من نافذة الدير حيث الصحراء، وأشار إلى قافلة تقترب وقال:
"حدق طويلًا في هذا الرمل المنبسط، فإذا نظرت إلى رجال هذه القافلة بدا لك في ذلك الصبي المجيد ذلك الناموس الذي لاح لموسى وعيسى، لقد ولد النبي. وكان مولده في أشرف القبائل.."
وبدت على أمية علائم الدهشة، فقال له بحيرا:
-فيمَ اجفالك هذا؟؟ أيرمضك أن ينبت في الحجاز هذا النبت المتأرج؟ يا عجبًا لكم معاشر العرب، تعيشون في الصحراء المرمضة، وتتركون مدنكم للغريب يحصد ما زرعته أيديكم، ويبني حصونه وقصوره فوق أرضكم، وأنتم في صحراء قاحلة لا تدر لبنًا ولا تنبت حبًا.؟؟ فليكن شعرك بعد الآن نغمات عذبة تشيد بروائع الفجر الجديد الذي سيظلل نوره عالمًا جديدًا تفيئون إليه.
وراح أمية يقص ما سمعه من نبأ النبي ( على أبي سفيان في طريق عودتهما مع القافلة إلى الحجاز، فيتمنى أبو سفيان لو يرى بحيرا في بصرى، ليسمع منه ما سمعه أمية، فيبكر في صباح اليوم التالي وقد بلغا بصرى، ويسأل الراهب عن حقيقة الأمر، فيعيد على مسامعه ما كان قد أنبأ به أمية، ويرجوه ألا يتفوه أمام الروم بما سمع، وقبل أن يودعه أبو سفيان. يقول له الراهب:
"سيخرج من أبنائك ملوك يزيلون الروم عن هذه البلاد، وسيكون أبناؤك جندًا لهذا النبي العظيم، ينصرونه إذا قعد الناس عن نصرته.."