ثمّ اقتضت الحاجة التعبير بشكل أدق عن تلك الأفكار ولويناتها، وعن المعاني الأخلاقية والعواطف فصارت الأشكال السابقة أو بعضها لا يستخدم للدلالة على الأشياء المادية التي تمثلها بل للتعبير عن الأصوات والمقاطع الصوتية. فأصبحت الكتابة -ولو جزئيًا- صوتية، ولكنها ظلّت تعطي لبعض الأشكال قيمة رمزية أحيانًا وقيمة صوتية أحيانًا أخرى. وفي ذلك صعوبة بالغة في القراءة والكتابة اتصفت بها الكتابة السومرية [4] المعروفة بالاسفينية أو بالمسمارية (كونيفورم) .
أمّا تسميتها بالمسمارية فمردها إلى أن الأشكال تطورت من الصور إلى الرسوم الخطيّة المبسطة، كما ذكرنا، وإلى إشارات مجرّدة بعيدة الصلة بالأصل تكتب على ألواح الطين (الرقم [5] ) بأقلام خاصة تعطي أشكالًا كالأسافين أو المسامير [6] .
د-صعوبات الكتابة المسمارية:
قلنا إن الكتابة المسمارية كانت تصويرية رمزية ثم أصبحت صوتية. وفي غالب الأحيان لم يعد فيها علاقة بين الصورة والصوت، فإشارة اليد التي كانت بالأصل ليد الإنسان ولا تعني إلا اليد، أصبحت لها القيمة الصوتية"شو""لأن""يد"تسمى"شو"لدى السومريين وأصبحت هذه الإشارة تستخدم لتسجل صوتيًا كل كلمة فيها المقطع"شو".
وثمّة ملاحظة هامة، ونحن بصدد موضوع الكتابة المسمارية فإن إشارات الكتابة محدودة العدد أما الأفكار فلا تقع تحت حصر. ولا بد من التعبير بإشارة واحدة عن كل الأفكار القريبة من معناها الأصلي. فشكل القرص لا يعني الشمس فحسب بل فكرة النهار وفكرة الضياء وفكرة البياض الخ. ولما كان كل من هذه الأفكار له اسم مختلف فإن إشارة القرص الأصلية قد أصبح لها قيم صوتية جديدة. ومن هنا فإن إشارات الكتابة المسمارية يمكن أن تعبر عن أصوات عدّة تصل أحيانًا إلى خمسة عشر أو عشرين فالإشارة يمكن أن تقرأ: باب، فير، خيش، لاخ، فاردام، تو، أو، أود [7] .