تتجلى هذه الأصالة أولًا في الخصائص الفطرية التي اكتسبها الحرف العربي عبر مسيرته مع الإنسان العربي منذ نشأتهما الأولى قبل التاريخ في الجزيرة العربية. فظلا يتفاعلان هناك مع بعضهما البعض ومع الطبيعة والمجتمع والحس والنفس مرحلة حياة متطورة بعد مرحلة، إلى أن استوفيا شروط نضجهما شعرًا وبطولة في العصر الجاهلي، وفصاحة وبلاغة وقيمًا مثلى في القرآن الكريم.
كما تتجلى هذه الأصالة ثانيًا، في أن الخصائص الفطرية للحرف العربي لا تزال عالقة به حتى يومنا هذا، فكان المعنى التراثي للكلمة العربية المعاصرة هو محصلة خصائص الأحرف التي تشارك في تركيبها.
وهكذا فإن أصالة الكلمة العربية مرتبطة بأصالة الحرف العربي. هو الأصل وهي الفرع. فلولا أصالته لانعدمت فطرتها. ولكن لو لم تحافظ هي على فطرتها لضاعت أصالته، كما وقع للكلمة وأحرفها في اللغات الأجنبية.
ولكن علماء العربية القدامى والمحدثين ممن قالوا بفطرية اللغة العربية قد تعاملوا جميعًا مع الحرف العربي بصور مباشرة أو غير مباشرة على أنه هو الفرع والكلمة العربية هي الأصل. لا يجرح حكمي هذا أن قال بعضهم بأن الحرف العربي هو أصل العربية، مثل (العلايلي) وغيره. ولكن القول شيء والتعامل شيء آخر. فبدل أن يسعوا إلى استخلاص معاني الكلمة العربية بالرجوع إلى خصائص أحرفها، حاول معظمهم استخلاص معاني الحرف العربي بالرجوع إلى معاني بعض الكلمات التي يتصدرها، وقليل من لجأ منهم إلى التي يقع الحرف في آخرها. (محمد عنبر) ونظريته جدلية الحرف العربي (1) .