ولا تَحْبِس الفضلات عند اقتضائها ... ولو كنت بين المرهفات الصوارم
وكن مستحمًا كل يومين مرَّة ... وحافظ على هذي الخلال وداوم
ذلك ابن سينا الذي سجل في الخالدين لقوله: ... ولاحظ مكانًا دفعنا إليه
(لأجعلن الزمن أحب إلى أهله من النسيم) . ونحن لو فكرنا مليًا في هذا القول الرائع لعرفنا مبلغ الدرجة الإنسانية الرفيعة التي ارتقى إليها الطب الإسلامي. وأين هذه الكلمة من أولئك المشرعين الذين نادوا بقتل (المرضى المزمنين) باسم الإنسانية. أين هذا القول من أولئك الذين نادوا في برلمانيات الغرب بأن تتخلص البشرية منهم!! باسم القتل الرحيم.
ولكنه النور الذي ملأ الأرجاء، ولكنه الإيمان الذي عمر القلوب..
وبعدئذ هل ننسى الطب في الأندلس. هل ننسى العلوم في فردوسنا المفقود..
كان أول من أنجبتهم قرطبة الزهراوي.. الذي يعتبر أعظم جراح في تاريخ الطب الإسلامي وقد كتب"كتاب التصريف"وهو موسوعة علمية، كانت دليلًا للجراحين في أوربا حتى عصر النهضة. إذ قدم وصفًا دقيقًا فيها عن أدوات الجراحة في الطب، وقد ضم الكتاب ثلاثة أجزاء أولها في الكي، كما يشير به الطب النبوي، ويقترحه الزهراوي لعلاج الصرع، والثاني في العمليات التي تجري بالمشرط، وعمليات العيون والفم، والثالث في أنواع العظام وخلعها ثم في التوليد.
وفي الأندلس أيضًا نبغ الطبيب العربي ابن زهر.
ذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان: إن ابن زهر كان من أهل بيت كلهم علماء ورؤساء ووزراء. نالوا المراتب العليا عند الملوك، ونفذت أوامرهم.. كان يحفظ شعر ذي الرمة، وهو ثلث لغة العرب -وقد أوصى أنه إذا مات تكتب على قبره هذه الأبيات وفيها إشارة إلى طبِّه ومعالجته للناس:
تأمل بحقك يا واقفًا
تراب الضريح على وجنتي ... كأني لم أمش يومًا عليه
أداوي الأنام حذار المنون ... وها أنا قد صرت رهنًا لديه