لقد بلغ الطب العربي التقليدي ذروته في القرن العاشر للميلاد، أي الثالث للهجرة. ويكون بذلك قد سبق الطبَّ الغربيَّ بنهضته بمئات السنين، ففي البصرة والكوفة وبغداد والقاهرة ودمشق وقرطبة ظهرت بيمارستانات تضم مدارس للطب، قصدها الراغبون في العلم من كل عرق ولون ودين.
ونحن سنكتفي بذكر ما له بالطب صلة وثيقة، فقد تعمق المسلمون في دراسة علم وظائف الأعضاء، وحفظ الصحة، وعلم العقاقير والأودية، وما زال كثير من عقاقيرهم وأدويتهم يستعمل حتى الآن.
لقد عرف المسلمون التخدير بالإسفنجة، وأقدموا على إجراء عمليات جراحية منوعة ومبتكرة، فكان النجاح حليفهم في حسن نتائجها. وكانت الرسومات الطبية، لبعض أعضاء وأجهزة الإنسان تزيِّن مؤلفاتهم أحيانًا. واكتشف الكيميائيون من المسلمين مركبات كثيرة هامة أشهرها الكحول، وأنواع الزاج، وآزوتات الفضة، والسليماني الأكال، كما اكتشفوا عدة حوامض منها حامض الخل، وحامض الكبريت وروح الملح بالإضافة عدد كبير من العطور والأملاح والأصبغة. وعرفوا استخراج السكر والنشاء وأنواع الزيوت.
إن أهم ما يميز العصر الذهبي للطب العربي هو إنشاء البيمارستانات وتأليف الأقرباذنيات والموسوعات، وتأسيس نظام الحسبة، وسنكتفي بالكلام عن بعض ما ظهر من الموسوعات خلال هذا العصر.
أولًا: كتاب فردوس الحكمة لعلي بن سهل رابن الطبري:
وهو أول كتاب منظم على شكل موسوعة يضم علوم الطب، ظهر باللغة العربية، وقد استفاد مؤلفه من المراجع السريانية والإغريقية والهندية، دون الرجوع على ما يبدو إلى ترجمات حنين. واشتمل عمله على أبواب في المبادئ العامة الكونية وفروع الطب. وأفرز قسمًا خاصًا بالطب الهندي وبهذين العالمين الكندي والطبري بدأ عهد التأليف العربي المستقل.
في هذه الفترة، كان أهم ما في التراث الطبي من العالم قد نقل إلى لغتنا العربية.