ان البلاد المتقدمة بسبب تقدمها المطرد السريع بحاجة ماسة وملحة إلى العلماء والمتخصصين ولا تكاد تسد الجامعات والمعاهد العلمية تلك الحاجة المتزايدة، كما أن نفقات إعدادهم وتخصصهم كبيرة باهظة ثم إن عوامل التنافس بين الدول الصناعية تقتضي الاعتماد على الكفايات العلمية الكبيرة، ولهذا طفقت تلك الدول تجتذب تلك الكفايات بالمغريات المادية والمعنوية، ولا سيما من بلدان العالم الثالث ومن بينها بعض أقطار الوطن العربي.
ان الحاجة التي نوهنا بها إلى العلماء قد اشتدت في السنين الأخيرة بسبب مقتضيات النمو والإنتاج، كذلك نجد الريح الكبير الذي أفادته الدول المتقدمة في المال وفي الوقت من هجرة العقول اليها قد عزز ذلك التيار ودعمه. وكل زيادة في جانب يقابلها خسران في الجانب الآخر. فقد ألمت الخسارة بالبلاد التي تنطلق منها عناصر ذلك التيار ولا سيما أن تلك العناصر في الغالب ناشئة فتية تومض بالوعود. فكان فقدها في بلادها الأصلية"ضِغثًا على إبَّالة"كما يقول المثل العربي القديم. وليس ما يمنع تلك الدول المتقدمة إزاء الربح من رأس المال البشري هذا من أن تضع لامتصاصه خططًا سرية وعلنية باطنة وظاهرة.
هذا التيار جارٍ بين البلاد المتقدمة بحسب الإغراء المادي والعلمي والظروف الملابسة. ولكن نسبة هذه الهجرة من البلاد النامية ولا سيما من الوطن العربي أعلى وأدعى للخسران.