كانت القرية ذات اكتفاء اقتصادي ذاتي ولكن هذا الاكتفاء طفق يضعف بل يتلاشى. وأخذت القرية تعتمد في حاجاتها التموينية والاستهلاكية في الغالب على المدينة. وإذا بقيت طائفة من القرى في البلاد العربية تحتفظ بسماتها التقليدية فإن تلك السمات تتجه نحو الزوال.
واعتاد القسم الأكبر من الريفيين الذين يفدون إلى المدينة للعمل وللكسب اتخاذ أطراف المدينة مواقع لبناء مساكنهم وأكواخهم وكلها تبنى أحيانًا دون رقابة ولا تخطيط منظم فهي سيئة البناء مكتظة بأهليها سريعة النمو والامتداد تنمو كما تنمو الفطور وكأنها قرى معلقة بأطراف المدينة وكأنها جميعًا تعمل من الوجهة الاجتماعية على تزييف الحضر بدلًا من تحضير الريف وذلك بسبب نقص الخدمات الاجتماعية الضرورية. وما زال تيار الهجرة الداخلية في أغلب البلاد يجري عشوائيًا. ومن المناسب الإشراف على هذه الاندفاعات السكانية ووقايتها من الآثار السلبية والاستفادة منها في استغلال الأراضي واستثمارها وتنظيم قوة العمل وتوفير الموارد الاقتصادية واسباغ الصحة والتقدم على المجتمع.
ولقد أصبح الارتباط بين الريف والحضر في جميع البلدان شديدًا كما أصبح الارتباط بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية على درجة لا يمكن إغفالها (تبعية البلاد النامية للبلدان المتقدمة في الاستهلاك والصناعة والعلم، وتبعية البلاد المتقدمة النسبية للبلاد النامية في بيع سلعها واستيراد الطاقة والمواد الأولية) .
وهكذا يجدر العمل على تقليل التفاوت في الدخول المالية وفي مجالات التقدم الاجتماعي بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية وبالتالي تقليل الفروق في الدخول وفي مجالات التقدم الاجتماعي ما أمكن بين الريف والحضر. وأيًا كان الأمر فإن الإنسان أهم عنصر في جميع الاعتبارات ولا بد في كل تدبير سليم من الحفاظ على حريته وكرامته ومن السعي نحو تقدمه وحمايته من البؤس والشقاء وآفات الأمراض وعوادي الطبيعة.
هجرة العقول: