ويبدو من ذلك أن لهذه الهجرة بعض المزايا وهي جلب الثروات المجمعة في البلاد الأجنبية. ويضاف أن المهاجرين لا ينسون أهليهم فهم يمدونهم بالمال في الحين بعد الحين. وتلوح هذه الهجرة السكانية مستتبعة لهجرة مالية أضعف منها تجري بعكس اتجاهها، هذا زيادة على الدعاية الجيدة التي يقوم بها المهاجرون لبلادهم الأصلية.
بيد أن مساوئ الهجرة أكثر من مزاياها إذ أنها تلحق بالبلاد نقصًا في القوى الديمغرافية والاقتصادية وغيرها. فالمهاجرون كما سلف شباب أو كهول أي هم في سن العمل والإنتاج. فلما هاجروا أضاعت البلاد فيهم رجالًا منتجين، كما تضيع فيهم مجموع النفقات التي استدعتها تربيتهم وتنشئتهم وريعها. ولا تفي بهذه الخسارة ثروتهم المجمعة إِنْ عادوا بها إلى البلاد أو أرسلوا نصيبًا ضئيلًا منها إلى أهليهم، لأنهم في بلد الاغتراب قد اشتغلوا واشتركوا في بعض المشروعات أو استصلحوا الأرض فزادوا رأس المال هناك. ولو لبثوا في بلادهم الأصلية وعملوا فيها لبقيت آثارهم فيها وتضاعفت العوائد والفوائد.
أما الهجرة إلى البلاد العربية فكانت آفة عليها، يمكن أن نذكر هنا هجرة الفرنسيين الاستيطانية إلى الجزائر والإيطاليين إلى ليبيا في أثناء الاحتلال ولكن استقلال هذين القطرين لفظ أكثر أفراد تلك الجاليات الأجنبية.
على أن أكبر آفة عرفتها البلاد العربية منذ هجمات التتر والحروب الصليبية هي الهجرة الصهيونية. انها غزو سياسي وعسكري وعرقي تحت ظاهر قومي لأناس ينتسبون إلى قوميات مختلفة وتحت ظاهر ديني دينُ موسى عليه السلام براء منه.
وقد تسببت بجلاء القسم الأكبر من الفلسطينيين أهل البلاد الأصليين إلى مختلف البلدان وتحت كل نجم نشأ عن ذلك كوارث معروفة. ولعل في الآفاق العالمية وفي التعاون العربي الحازم ما يبعث على الأمل في إحلال السلام وتوطيد العدالة.