وأما الموقف الثاني وهو الواقعي فيسوّغه أن لكل جزء منها حكومة ذات سيادة على أرضها وعضوية في منظمة الأمم ونظامًا اقتصاديًا وسياسيًا يختلف عن نظام البلد الآخر. ومع ذلك فالهجرة البشرية على الرغم من تلك الحواجز مستمرة بين تلك الدويلات (التصغير هنا للتحبب) ، لأن إقامة الحواجز لا تستطيع أن تحول دون مجرى الظواهر الطبيعية وأن تمس الجذور القوية الممتدة في باطن تلك البلاد. وكل شيء في تطور الإنسانية يحفز على الظن أن تلك الربوع سوف يزيد تقاربها وتضامنها وتعاونها في شتى الميادين. وإذا كانت أوربة على اختلاف قومياتها ولغاتها وعاداتها وماضيها تتقارب وتحاول تأليف كتلة ذات كيان متضامن ومتعاون فإن البلاد العربية لكي تضمن تقدمها ولحاقها بالموكب الإنساني الحضاري لا بد من أن تزيد تقاربها وتآلفها وتعاونها في مجالات شتى وان بقيت السيادة الكاملة منها مصونة ومحصنة. لقد تعرضت البلاد العربية لضروب من الهجرة الخارجية منها واليها ومن المناسب أن نلم ببعض تياراتها القوية.
فلقد حملت الهجرة ألوفًا من أهالي بلاد الشام من سوريين ولبنانيين وأردنيين مع تيار الهجرة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى الأمريكتين الشمالية والجنوبية وتألقت نجوم كثير من المهاجرين في ميادين الثقافة والأدب والعلم والسياسة والاقتصاد. وأدب المهجر الحديث يذكرنا بأدب الأندلس القديم. ولكن تلك الجاليات العربية شرعت تنصهر في المجتمعات الأجنبية شيئًا فشيئًا وتنسى ذرياتها لغتها الأصلية بالتدريج.
وقد توطن هؤلاء المهاجرون الأماكن التي هاجروا إليها ما عدا فريقًا آثر الإياب إلى الأوطان منهم من أخفق في هجرته ولم تفتح أمامه أبواب العمل والرزق فانكفأ إلى أهله ومنهم من جمع ثروة ضخمة تكفيه وتكفي أسرته فرجع حامدًا نجعته.