لقد تغيرت حال المدن في العصر الحاضر عنها في غابر الدهر. فقد تقدم العمران واتسعت الشوارع وزادت الخدمات الصحية وتحسنت مرافق الحياة وجُرَّت المياه إلى البيوت وتيسرت التدفئة والتكييف، كما انتشرت النظافة وأشرفت الحكومات على تأمين السلع الضرورية من أغذية وملابس ومساكن إلا أنه ما يزال في المدن أحيانًا مجال للتحسين في أحوال المصانع ولهاثها الداكن المؤذي ومحروقات مطايا المواصلات النافثة كالسيارات والباصات. وما يزال الدخان والضجيج والازدحام يرهق الحياة في المدن.
ولئن استطاع الطب الحديث والتغذية الجيدة أن ينقصا ضراوة الأمراض الجرثومية في المدن فإن اكتظاظ المواصلات زادت في سرعة انتشار الأوبئة بين أهل المدن ان وقعت كما جعلت طوارئ الاصطدام تستفحل استفحالًا خطيرًا.
ان الريف في البلاد العربية جميل ولكنه ما يزال متأخرًا بالنسبة إلى المدينة على الرغم من جودة مُناخه وعَذاوة هوائه وجمال آفاقه.
الازدحام -ان المدن الكبيرة من أخص صفاتها الازدحام بالنسبة إلى الأرياف حيث تنبسط الحقول وتشتبك الغابات. ولقد أخذت الهيئات المسؤولة في الدول تبذل جهودها في تنظيم المساكن الجديدة بالمدينة بحيث تتوافر فيها الشرائط الصحية وتحيط بها الحدائق كم تضع الخطط المناسبة لإنشاء المدارس والحوانيت والمخازن في أفضل الأحوال المريحة. ومع ذلك فإن الصحة لا تتعلق بالآجرّ وبالملاط ولا بالخدمة الصحية بل تتعلق أيضًا بعادات الناس وهي تتحكم فيها التربية والذكاء وتتعلق أيضًا بالغذاء وبمستوى المعيشة وترتبط ارتباطًا وثيقًا بمقدار الدخل ولو أن هذا الارتباط أخذت تُخَفِّف منه قوانين تأميم الطب والضمان الاجتماعي الإيجابية. هذا وقد غدت الدول العربية النفطية في طليعة البلدان اهتمامًا بأحوال شعبها الصحية. على أن ارتباط الأمور بالدخل يدعونا إلى تأمل علاقة الوفيات بالحرفة وبالأمور الاقتصادية.