والأمر كذلك في المغرب العربي في يومنا هذا. أليس يتلقى أنفاس الصحراء الكبرى الحارة؟! ولذلك لا غَروَ إذا وجدنا السكان يتجمعون فيه حول مناطق المياه. ولو نظرنا إلى الجمهورية التونسية لوجدنا الكثافة في الشمال أعلى بكثير منها في الجنوب. والشمال أغزر مطرًا من الجنوب. ومن الخطأ أيضًا أن نقتصر في المغرب على العوامل الجغرافية الطبيعية وحدها. بل ينبغي الرجوع إلى التاريخ وإلى تغير طبيعة الأراضي وسبل المواصلات التي تربط أنحاء البلاد بعضها ببعض وإلى تبدل ذلك وفق الأحوال السياسية والسيادة أو التبعية. كان أكثر سبل المواصلات في الجزائر وفي المغرب موازيًا لساحل البحر الأبيض المتوسط إذ كانت تصل البلاد العربية بعضها ببعض، ثم خربها الاستعمار وأنشأ سبلًا عمودية على الساحل ليسهل له الوصول إلى أعماق البلاد، كما استولى على أخصب الأراضي واستغلها إذ ذاك لصالحه.
بيد أن الأنهار ومياه الأمطار الغزيرة قد ينوب عنها في رفاهية السكان واجتذابهم آبار النفظ. بل إن آبار النفط هذه أجدى عائدة وأوفر اقتصادًا وأشد ثراءً من مياه الأمطار ومن الأنهار لو لم تكن مدخراتها محدودة. وهي قديرة بعوائدها الجمة على تحلية مياه البحر واستصلاح الأراضي وإحالة الرمال حدائق جميلة وعلى رفع مستوى معيشة السكان وعلى اجتذاب العمال والتجار وغيرهم من كل صقع. هذا ولا يخفى هجرة التجار والعمال والمهندسين وأمثالهم في البلاد العربية وغيرها إلى المملكة السعودية وإلى الكويت وإلى دولة الإمارات وإلى ليبيا. ومثل تلك الآبار المتفجرة أحيانًا في الصحارى تجعل الحاجة ماسة إلى الأيدي العاملة وإلى العمران واتساع البنيان.
لهذا كله كانت الكثافة الحسابية غير كافية للدلالة على مدى استيعاب الأرض للناس. وهي في الواقع لا تُخَوِّل الموازنة والمقايسة بين سكان البلدان لاختلاف الأراضي في الخصب وتفاوت صلاحها للزراعة ولتباين الموارد الاقتصادية وغير ذلك.