ان اختلاف الكثافة متعلق بعوامل متعددة. ولا شك في أن نظام الاقتصاد المستند إلى الصناعة يزيد في طاقة استيعاب الأرض للسكان. وهذا ما هو حاصل في أوربة والبلاد الصناعية عامة. وكذلك نظام الاقتصاد الزراعي الذي يعتمد أصحابه في غذائهم على البقول والحبوب لا على اللحوم. هذا ما هو حاصل في الهند وشبه جزيرة الهند الصينية والصين. ولكن هذا النظام الزراعي إذا ساعد على زيادة السكان لا يدر بالغنى والثراء عليهم وإنما يجعل مستوى معيشتهم منخفضًا. إلا أن الصين بعد جمع شمل أجزائها واستتباب نظامها الحديث جعلت تعتمد على إقامة أركان الصناعة الحديثة. كذلك يتعلق اختلاف الكثافة بقضايا تاريخية كالحروب وهجرة بعض الأقوام من بعض المناطق إلى مناطق أخرى وغيرها.
وقد يتعلق اختلاف الكثافة بعوامل جغرافية كنوع التضاريس ودرجة خصب الأرض ووفرة المياه ومجاري الأنهار وغزارة الأمطار. وتأثير مثل هذه العوامل الجغرافية واضح في البلاد العربية حيث لم تتم سيطرة الإنسان على الطبيعة.
ولقد سلفت الإشارة إلى ارتفاع الكثافة في وادي النيل الخصب ومن المعلوم أن الزراعة في هذا الوادي تعتمد على مياه النيل لا على الأمطار، حتى إنه قيل في مصر انها هبة النيل. وإذا نظرنا إلى سورية مثلًا وجدنا محافظة اللاذقية وهي على الساحل شديدة الاستيعاب نسبيًا للسكان ومساحتها تؤلف 2.5 بالمائة من مساحة القطر وهي من أغزر المحافظات السورية أمطارًا زيادة على صفتها الساحلية. وعدد سكان محافظة اللاذقية يكاد يعادل مجموع سكان محافظة دير الزور ومحافظة الحسكة مع أن مساحتيهما معًا تؤلفان 30.3 من مساحة البلاد.
على أن منطقة الجزيرة في شمال شرقي سورية قليلة السكان جدًا مع أنها أخصب الأراضي. وهذا ما يدعو إلى النظر في العوامل التاريخية والملمات التي أصابت البلاد وجعلت بعضها غامرًا بعد أن كان في الماضي عامرًا.