نصل بعد هذا البيان إلى الواجب المطلق نحو الله. يقول كركغارد إن المرء حين ينشئ علاقة شخصية ومطلقة مع المطلق يخرج من نطاق الأخلاق ومن نطاق"العام". وهو لا يرتفع فوقهما وحسب. بل يصبح هو ذاته حقًا.
بحيث تغدو الأخلاق في نظره أمرًا تافهًا أو زائدًا. ولكي يقوم بواجبه المطلق يشرع في عمل مناف للأخلاق. ومع ذلك تبقى صلته بالله صحيحة، إذ يعمل ما يعمل لنفسه ولله. وفي هذا الموقف ما فيه. فلا حاجة للإلحاح عليه.
لقد ذكرنا أن الأخلاقية القويمة في الشرق أن يدرك المرء عينه الثابتة ويتصرف وفق متطلباتها. فليس هنالك من تناقض بين الإيمان والدين من جهة والأخلاق من جهة ثانية. نجد عند الهنود أن ما يدعونه"سواذرما"يقصد إلى إسباغ التناسب بين أعمال المرء وطبيعته الأصلية. لقد حسب كركغارد أن الإيمان كامن في باطن النفس وأن الأخلاق كامنة في خارجها، وأبان أن باطن النفس أعلى من خارجها. وهذا في الحق يلخص نمط محاكمة الغربيين. بيد أن مقصد الأخلاق في الشرق أن تهيء للمرء معرفة عينه الثابتة. فهي لا يمكن أن تكون في خارج الشخص أو النفس. والشريعة عند الشرق لا غنى ولا مندوحة عنها في السلوك الروحي.
ولقد ذهب غينون إلى القول: إن من يضع احترام الشريعة في السريرة فقط يعتبر الجسم مدنسًا ولا يريد لهذا الجسم أن يشارك في التجربة الروحية.
لقد ارتكب كركغارد خطأ آخر في قضية الإيمان إذ جعل منه أكبر تضحية وأكبر صَلفٍ معًا. دعواه تلك حاصلة عن اللبس الذي عنده بين النفس والروح أو الفكر، وهذا وليس يبلغ امرؤ حق اليقين إلا حين تنطفئ النفس. ومن قال: إن الإيمان صلف لم يعرف ما هو الإيمان.