فهرس الكتاب

الصفحة 974 من 23694

وهكذا يعلن كركغارد أن الإيمان يبدأ حيث يتوقف العقل وأن أسمى شكل من أشكال الإيمان الهوى الجارف والجنون. أما عندنا فمثل هذا الإيمان ليس سوى مرحلة. ويتم تحقيق الإيمان على الوجه الصحيح باجتياز عدة مقامات: علم اليقين ثم عين اليقين ثم حق اليقين.

في المرحلة الثانية لا يرى المرء إلا صورة الحق. وفي المرحلة الثالثة يصبح هو ذلك الحق لا يستطيع الغربيون أن يدركوا معنى هذه المرتبة الثالثة. عندهم ينبغي الابتعاد من العقل للحصول على الإيمان لأنهم يُحلّون العقل الجزئي التحليلي محل العقل الكلي. أما الشرقيون فسبيل تحصيل حق اليقين عندهم هو العقل الكلي، وهو الذي أسماه غينون تسهيلًا لمدارك الغربيين"الحدس العقلي".

إن الشرق لا يأخذ بعين الاعتبار الهوى الجامح ويرى لزوم رسم خطة لسلوك المرء توائم مزاجه. ومن السهل إدراك ذلك بالعبارات التي يستعملها الهنود. عند هؤلاء ثلاث طرائق روحية. فمن غلب العقل الكليّ عنده سلك بالمعرفة سبيل الاتحاد وهو ما يدعى"جنانا يوغا". ومن غلبت عليه النفس سلك بالتقوى سبيل الاتحاد وهو ما يدعى"بهكتي يوغا".

ومن غلب عليه الجسد سلك بالعمل سبيل الاتحاد وهو ما يدعى"كرما يوغا".

ولهذا التفريق كان الإيمان الذي ينوه به كركغارد لا يقابل إلا طريقة التقوى أو طريقة المعرفة بالحب. ومع ذلك يجب أن نورد احترازين كبيرين. ذلك أن تلك الطرائق المختلفة لا يمكن فصل بعضها عن بعض إلا في البداية. وسرعان ما تلتقي وتشتبك حين يتقدم المريد في طريق الروحانية. ثم إن لكل طريقة عددًا من القواعد والأحكام يجب على المريد أن يتقيد تقيدًا تامًا بها. الهوى الخالص في الغرب ليس له قوانين يملكها المرء فتخوّله السيطرة عليه. ولهذا السبب كان إيمان كركغارد لا يطابق حتى طريقة التقوى. فهو ليس على حد تعبير"د. هـ. لورنس"إلا رغبة حسية تخلق لنفسها وجهًا مثاليًا وتجد فيه مُتْعَتها الخالصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت