فالظهور ضروري من وجهة نظر الأخلاق. ولكن المرء يحصّل العظمة الحقيقية بداخلية نفسه وسريرته وبتعمق"أنا"ه. والسريرة على هذا الوجه تقتضي الصمت لأن علاقة المرء بربه تكمن فيما لا يمكن أن يظهر للآخرين. ولقد كان كركغارد مأخوذًا بسريرة نفسه إلى حد الهوس فنسي أن إبراهيم كان عظيمًا إلى درجة أن الأديان الثلاثة يهودية ونصرانية وإسلامًا تتنازع الإيمان الإبراهيمي. إن من شأن رسالة النبي ألاّ تبقى في الصمت والسر خلافًا لما ظن أبو الوجودية الحديثة. لقد رأينا أن التبعة الكبرى التي تقع عليه إنما هي في الظهور والتجلي. لم يلزم إبراهيم الصمت. بل كان عمله إعلانًا. وبهذا العمل نفسه كشف الغطاء عن وجهه النبوي. وما يدعوه المأخوذون من الغربيين بالسر والداخلية صمتًا تعتبره الميتافيزياء الشرقية إرسالًا وظهورًا.
عند كركغارد أمْرُ الله ينافي الأخلاق والمشاعر الإنسانية. وإبراهيم ينفذ ذلك الأمر. وهذا معناه في رأي فيلسوفنا أن هناك واجبًا مطلقًا يقع على الفرد نحو الله. وهنا تقوم علاقة مطلقة بين الفرد بصفته فردًا والمطلق. يدعو كركغارد هذه العلاقة الحب في الله والإيمان بالله.
وهو يعرف الإيمان عدة تعريفات. فهو طورًا هوى جامح، وتارة جنون سامٍ، وأخرى علاقة شخصية مع الله. نجد مثل هذا الاعتبار عند"مرسيا إلياد"، إذ يرى أن معنى الإيمان هذا أعلى صفات المدنيتين اليهودية والمسيحية. بيد أن هذا اللون من الإيمان ليس غريبًا عن المدنيات الشرقية. كان إيمان الراعي في مثنوي مولانا جلال الدين الرومي من هذا النوع. فالشرق إذن قد ألمّ بهذا المعنى وفسح له في مجال الحياة الواسع، ولكنه لم يعتبره أسمى أشكال الإيمان. لا تقوم المعرفة الجوهرية على علاقة شخصية مع شخص أو شيء كان ما كان. ذلك أنه متى تخلص الإنسان من فرديته تجاوز درجة الإنسان. وهذا شأو قد يعجز عنه الأوربيون.