ولكن في ذروة العروج يشعر الولي بغبطة عظيمة بحيث لا يرغب في الهبوط والرجوع إلى حال البشر. في كلام كركغارد ما يفيد أن إبراهيم كان يغريه أن يجد مسوغًا خلْقيًا لعمله. أما في رأينا فليس هنالك إلا إغراءٌ واحد لدى الولي وهو الرغبة في البقاء بأعلى سلم العروج بدلًا من الهبوط. فيتمثّل ابتلاء الولي إذن حين يأمره الله بالعودة إلى حال البشر وهو الابتلاء الذي عاناه إبراهيم. أكبر تضحية الرجل من عامة الناس أن يضع حدًا لرغبات نفسه و"أناهُ".
أما تضحية الولي فاختياره الهبوط والظهور تاركًا الدرجة العليا في الصعود الروحي. وقد أتم إبراهيم هذه التضحية. وبهذا المعنى يمكن أن يسمى إسماعيل الضحية أو ذبيح الله. ولولا هذه التضحية لما كان بوسعهما أن يكونا من الأنبياء. أكبر تبعة تقع على النبيّ أن يُظهر الحقّ والخلقَ معًا. هذا المقام عسير على الولي دعاه غينون"حال التردد". ودعاه جامي إمداد الله"الكدورة"وأسماه جلال الدين الرومي"الخوف والرعب"و"الفزع".
وقد كتب مولانا الرومي أن الحقيقة المحمدية كانت على حال لو نظر جبريل فيها إلى محمد لنال الوجد محمدًا إلى الأبد. ولكن لما نزل الوحي عليه لم يستطع حينئذ أن يتحمل حقيقته الإلهية وبدت عليه مظاهر الخوف والفزع.
إن السبيل في اجتياز مقامات التجلي طويل. ذكر"كومارا سوامي"أن الرعب كان يدب في قلب"شنكارا شاريا"من حيث هو إنسان.
كان يجزع من ذلك إلى درجة أنه كان يخشى أن يصفه. وجملة القول أن إبراهيم ما كان رهين القلق والشك على نحو بقية الناس. ولو شعر بشيء ما لكان من قبيل التردد أمام قبول مرتبة النبوة والحرج تجاه التجلي.
يقول كركغارد: إن إبراهيم لبث صامتًا واحتمل ضيق الوحدة وعنتها.
وفي رأيه أن القاعدة الخُلقية لدى المرء هي أن يتخلص من سره الخفي ليظهر في"الأمر العام".