فهرس الكتاب

الصفحة 971 من 23694

تخيّل كركغارد قلقًا يخامر نفس إبراهيم بسبب أنه كان يعتبره رجلًا كسائر الناس. وللسبب نفسه تصوره أيضًا نهبًا للشك: هل هذا أمر من الله؟ هل كلّمه الله؟ أو أوحى إليه؟ وما عسى أن يكون؟ وبهذا الاعتبار نفهم أن ذلك القلق والكآبة والالتباس تساور أمثالها نفس كل إنسان. بيد أن إبراهيم كان نبيًا وإسماعيل ابنه كان وليًا إذ ذاك أي تجاوز مرحلة النفس. ولا معنى إذن للكلام على تلك الخوالج عندهما. من شعر بالكرب كان يجهل طبيعته الأصلية وعينه الثابتة. أما من عرف عينه وطبيعته فهو بمنأى عن القلق والاضطراب.

ولكننا إذا كنا نحب القلق ونحب أن نجده بشكل ما في حياة إبراهيم لزم أن نؤوله تأويلًا ميتافيزيائيًا مناسبًا لوجهة النظر الشرقية. نحن عندئذ نهتمّ بمجال الفكر والروح لا بمجال النفس. القلق والخوف وما إليهما حالات في النفس لا في الفكر. ولا تستعمل هذه الألفاظ ههنا إلا على سبيل المجاز. لننظر إذن إلى حقيقة الخوف بمعناه المجازي و الرمزي. لقد وضعنا قبلُ المنحنى الصاعد نحو الله والمنحنى النازل للتجلّي. يقطع السالك من مرتبة الإنسان نحو الله عدة منازل أو مقامات. ثمت ثلاثة مقامات في معرفة الحقيقة العليا. الأول مقام التجلي. الثاني مقام السر. الثالث مقام يغيب فيه التجلي والسر. ومرتبة الولاية بمعناها الحقيقي لا تحصل إلا بعد بلوغ المقام الثالث. ثم إن مرتبة النبوّة وراء ذلك. ولبلوغها يجب النزول بعد الصعود ثم الوصول مرة جديدة إلى مرتبة الإنسان.

وإتمام هذه الرحلة صعودًا إلى الله عند المسلم يدعى رمزًا ليلة المعراج. وإتمام الرحلة هبوطًا يدعى رمزًا ليلة القدر. ومعنى ليلة القدر عند ابن عربي ظهور جسم الرسول المجيد إذ تتجلى إذ ذاك"الحقيقة المحمدية". وهكذا تبدو مرتبة النبوة أعلى من مرتبة الولاية، ودرجة التجلي أشرف من حال السعادة والغبطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت