فهرس الكتاب

الصفحة 970 من 23694

فكان لهذا السبب يشعر بالوحدة والعزلة التامة. غير أن هذا القلق كان لازمًا له لكي يصبح رسولًا لله. لقد انتقى الفلاسفة الوجوديون فكرة القلق هذه وطفقوا يرددونها بنغمات مختلفة وبكل مناسبة. يدعوه بعضهم"قلقًا روحيًا"ويدعوه بعض آخر"قلقًا ميتافيزيائيًا"ويرى غينون أن القلق والحسرة والحيرة كل هذه أحوال نفسية تتولد حين ينال المرء شعور بالخوف تجاه أمر معلوم أو مجهول.

أما من حصّل معرفة في الروح أو الميتافيزياء فلا خوف عنده ولا حزن. ولذلك كان وصف الكآبة أو القلق بأنه روحي أو ميتافيزيائي لغط ولغو وخُلْف لأن بين الصفة والموصوف تنافيًا. قد يقولون: إن القلق أو الكآبة تنشأ عن الوحدة والعزلة. بيد أن المرء الذي يخشى شيئًا لا يكون وحيدًا إذ هو مع ذلك الشيء الذي يدفعه أو لا يعرفه.

لقد جعل الغربيون للحزن مكانًا أساسيًا في حياتهم وبالغوا في ذلك إلى درجة أن"جيد"رفض أن تترجم كتبه إلى العربية لمجرد أن الشرقيين لا يعرفون القلق. وردّ الدكتور طه حسين مجيبًا"جيد"أن القلق كثيرًا ما وردت له بوادر في الأدب العربي ظاهرة أو خفية. بيد أنه ليس للشجى أو الحزن في الشرق منزلة رئيسية. ومع ذلك قد يستعمل الحزن أو الشجا وسيلة. ثَمَّتَ طائفة من هنود اليوغا يسومون أنفسهم العذاب على عمد. ثم إن ما يدعوه الهنود بالتحرّق أو"تاباس"يحمل على سلوك سبيل خاص موضوعه مثل غايته ألا وهو التضحية بالنفس وبالأنا. فيتجافى المرء عن مآربه الخاصة ويسعى في طلب المعرفة الحقيقية.

ولو أن إبراهيم شعر بقلقٍ لما كان شأو هذا القلق ما ذكرناه. وعندنا أن التضحية لا معنى لها إلا إذا كانت تضحية بالأنا أو بالذات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت