(-أيها الأطفال الذين شابهت أصواتهم أهازيج القماري، لا طغى عليكم السفاحون، ولا حلّق فوق رؤوسكم طائر الشؤم، إن السأم قد سطا علي فنزعت إلى الوحدة هائمًا، وتوسدت من الكلأ فراشًا ناعمًا.. حتى مرّ بي فريق من البشر فلما أن شهدوني متخذًا من الخضرة فراشًا وثيرًا قالوا هازئين: هذا أعمى اعتسف السبيل فهلموا نبتعد عنه بلا إغراق في التظني من الذين كفروا.. وقالوا أرأيت ما صنع الله بك؟.. ولو سمع هؤلاء أشعاري، ووقفوا على أسفاري وكتبي وفلسفتي ورجعوا إلى ضمائرهم لوجدوا أنهم في ضلال مبين..) ويؤكد المعري للأطفال أنه وجد نفسه في رؤيا طاف بها في جزيرة تحولت بها الأشجار والأزهار إلى قرون سوداء ثم سمع أصواتًا تناديه قائلة:
(-أيها الإنسان المعذب، إن السماء قد غفرت لك بعض ذنوبك، فهي تمنحك النور بضع ليال، وتأذن لك بالسياحة إلى أقاليم ومرابع لا تعرف لها صورة أو اسمًا، وسنحملك نحن ملائكة الغفران إلى تخوم غريبة وجزر حسناء لتشاهد عظمة القرون الماضية...) .
3-في جزر سيروس اليونانية:
وتحمل الملائكة النورانية المعري إلى جزيرة سيروس في زورق سحري، فيقطع البحر المتوسط على ضوء خافت، يحفه الزبد الأبيض كأنه قطع النور.. فيعود ويخترق حجب الجلد ليشكر الله على نعمة البصر، ويسمع صوت أحد الملائكة وقد تدانى الشاطئ. يقول:
لقد وصلنا أول إقليم من بلاد الله. أتدري اسم هذا الإقليم؟ هذه بلدة التماثيل البيضاء، إنها جزر سيروس من بلاد اليونان، فيصيح المعري: أفهذه هي الجزيرة الساحرة التي ذكرها الشعراء الأثينيون في أغانيهم؟ وتقبل عذارى اليونان وفي مقدمتهن ايزيس آلهة الشفق وسيدة الجزيرة التي لا يدخلها إلا العذارى، وكان جوبيتر قد أنبأها بزيارة المعري قائلًا:
(-يا آلهة الشفق: توّجي أرض سيروس بالزنابق والزهر، واغمري الأكواخ بالنور واللمعان، فإن ضيفك لعظيم، وانشري في الجزيرة روح الهدوء لأن ضيف الجزيرة يستعذب الإخلاد للصمت..) .