وقد خصص البناء المستقل للمكتبات كما كان الحال بالنسبة لدار الحكمة التي أسسها الحاكم بأمر الله سنة (395هـ/ 1004م) ، وبلغ عدد غرف مكتبة الخلفاء الفاطميين أربعين غرفة في القصور الداخلية مما يوحي باتساع هذه المكتبة التي تشبه الكثير من المكتبات المعاصرة وتنافسها، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن مكتبة دار العلم التي أسسها سابور بن أردشير في بغداد سنة (382هـ/ 992م) في العصر البويهي، حيث بنى دارًا بالكرخ"ووقفها على العلماء ونقل إليها كتبًا كثيرة" (23) .
وكان بناء المكتبات مزودًا بحجرات متعددة، يربط بينها أروقة فسيحة"وكانت الرفوف تثبت بجوار الجدران لتوضع فيها الكتب، مستلقية الواحدة فوق الأخرى، بحيث توضع ذوات القطع الكبير فوق ذوات القطع الصغير كيلا يكثر تساقطها" (24) . ويكتب اسم الكتاب عليه في"جانب آخر الصفحات من أسفل ويجعل رؤوس حروف هذه الترجمة إلى الغاشية... وفائدة هذه الترجمة معرفة الكتاب وتيسير إخراجه من بين الكتب" (25) ، وخصصت بعض الأروقة للمطالعة والاطلاع وبعضها للنسخ أو للمناظرة والبحث والمحاضرات، والاجتماعات، حتى وجدت مكتبات حوت غرفًا من أجل العزف الموسيقي" (26) ."
وزودت المكتبات بالأثاث والفرش فهذه مكتبة دار الحكمة لم تفتح أبوابها إلا بعد"أن فرشت هذه الدار، وزخرفت وعلقت على جميع أبوابها وممراتها الستور وأقيم قوام وخدَّام وفراشون وغيرهم وسعوا بخدمتها" (27) .
وليس المهم في المكتبة وجودها فقط ولا وفرة الكتب فيها ولا أهميتها ولا غير ذلك من الأشياء، بقدر كيفية تنظيم المواد في المكتبة، وحسن إدارتها وتحقيقها لأهدافها، وهذا ما سعت إليه المكتبات الإسلامية التي نظمت تنظيمًا رائعًا جيدًا نغبطها عليه نحن أبناء القرن العشرين اليوم، وخاصة حين نقوِمها وننظر إليها بمنظار عصرها.