وهكذا يتضح لنا غلبة الطابع الصوفي على المراكز الصوفية الثلاثة من ربط وزوايا وخوانق، وأنه كان لها دورها في حياة الناس الثقافية والاجتماعية والدينية في العصر الذي ندرس، فقد كانت ملتقى للعلماء والمفكرين الدارسين والباحثين والمناظرين، وحوت مكتباتها نفائس الآثار وروائع المصنفات، وقصد هذه المكتبات عشاق الكتب والمعرفة، وأقام فيها الطلبة الغرباء والفقهاء والعلماء والمغتربون أيضًا، وبعض العلماء ممن كان في طريقه إلى أداء فريضة الحج أو حين عودته منها، ومن الطبيعي حين يجتمع أو يلتقي العلماء فيها أن تسود مجالسهم أجواء المناقشة والدراسة، وأن تصدر عن هذه المراكز المؤلفات في مختلف العلوم، وكان لمصادر تراجم الصوفية أهميتها، ذلك أن مشاهير علمائهم كانت لهم إحاطة واسعة بالعلوم، وقد خلف بعضهم آثارًا قيمة ومهمة في الزهد والتصوف وأحوال المتصوفة وأخلاقياتهم.
وصفوة القول بالنسبة للمتصوفة وناحية دورهم التربوي وإسهاماتهم الطيبة في هذا الميدان، لا يسعنا أيضًا إلا أن نقول من النواحي الأخرى أن المتصوفة تركوا أبوابهم مشرعة لأفكار وعادات واتجاهات دخيلة على المجتمع الإسلامي، واستغلتهم قوى غريبة فشجعت فيهم الصور المنحرفة عن الإسلام والتي عن طريقها رسخت هذه العناصر جذورها وقوت قواعدها.
المكتبات وبيوت الحكمة ودور العلم
المكتبات الإسلامية وليدة الحاجات المحلية للمجتمع الإسلامي، التي أحس بها المسلمون بعد أن استوطنوا البلاد المحررة وبعد أن انتشر العلم والتعلم والتعليم في طول البلاد الإسلامية وعرضها، والواقع أن النهضة العلمية التي بدأها الإسلام وتبناها المسلمون كانت سببًا من الأسباب الهامة التي دفعت المسلمين للاهتمام بالكتاب والمكتبة، فالكتب كانت مثار اهتمام المسلمين واحترامهم لأنها أوعية للمعرفة، ومصدر الاهتمام بها نابع من حض الإسلام على العلم والتعلم.