ولقد وجدت فئة من المعلمين المتصوفين الذين جلسوا في الخوانق والزوايا والربط، يحفِّظون التلاميذ القرآن، ويدرّسونهم مبادئ الدين، ويعوِّدونهم على ممارسة شعائر الطريقة، ولم تكن مهمتهم معرفة تلاميذهم تربويًا، بقدر معرفتهم بربهم دينيًا، (ولهذا لم يكن تعليمهم إلا تعاليم دينية) ، ولم يكن عمله إلا عبادة، فلم يسعوا وراء الأجر، واكتفوا بما يقدم إليهم من أموال الواقفين والمحسنين.
وقد اشتهر من رجال الصوفية المعلمين"يحيى بن معاذ الرازي (ت 258هـ/ 871م) وكان أول من ألقى دروسًا عامة في التصوف" (13) ، وكانت أهمية أبي القاسم الجنيد (ت 297هـ/ 909م) "لا ترجع في تاريخ التصوف إلى مذهبه فحسب وإنما هي ترجع أيضًا إلى أنه كان يذيع تعاليم الصوفية ويعلمها، ولكن في دائرة محدودة، وبين بيئة خاصة من أصحابه ومريديه" (14) .
اختلف عدد الصوفية في المراكز التربوية حسب الاتساع، وريع الوقف،"وقد تراوح هذا العدد في الخانقاه بين مائة صوفي وعشرة نفر من الصوفية" (15) .
واشترط في نزلاء الخانقاه من الصوفية بإجماع معظم الوثائق أن يكونوا من العارفين بطرائق الصوفية وآدابها بغض النظر عن جنسهم وأعمارهم.
أما مواعيد حضور الصوفية فقد حرص بعض الواقفين"على تقسيم الصوفية إلى قسمين يحضر أحد القسمين وظيفة التصوف في الصباح، والقسم الثاني يحضر في العصر، ولكل من القسمين شيخ خاص" (16) . وهناك واقفون آخرون زادوا"في وظيفة التصوف بجعل الحضور خمس مرات في كل يوم وليلة عقب كل صلاة" (17) . وكذلك من الواقفين"من زاد في معلوم بعض الصوفية مقابل إسناد أعمال إضافية لهم مما يتعلق بالصوفية" (18) .
وحرص الواقفون على تحديد كل ما يتعلق بوظيفة التصوف بدقة تامة، بما في ذلك طريق جلوس المتصوفة حول شيخهم، وكيف يضعون القرآن الكريم مرفوعًا على كرسي، وكيف يقرؤونه ويختمونه.