تشير المقطعة الأولى إلى جدلية الصراع بين الإنسان والطبيعة وبين عناصر الطبيعة بعضها ببعض ولعلها تومئ من طرف بعيد إلى قصته الدامعة مع البحر، وأذكر هنا أن اللون الأخضر يتجاوز دلالته المعهودة فلا يوحي بالأمن والسكينة بدليل أنه كاد يغرق فيه، ثم يأخذ الشاعر في تشخيص البحر تشخيصًا حيوانيًا فيتبدى كفحل من الإبل يصوت ويزبد لأن الريح تزعجه وتثير غضبه ولا يكتفي ابن حمديس بجعله حيوانًا غير عاقل لا يدري ماذا يفعل فيجعله إنسانًا مصروعًا في إحدى أزماته وتخبطه التي يفسرها بأنها من جراء عبث الشيطان به ويدل استمداده من المأثورات الشعبية في تعليل هذه الظاهرة الطبيعية في تلك الصورة الغريبة النادرة على استغلاق أمر البحر واستعصاء فهم كنهه وحقيقته بالإضافة إلى توتره وانفعاله وشدة خوفه وهلعه منه لدرجة أن فزعه لم يفارق قلبه حتى بعد نجاته منه وابتعاده عنه، يؤكد ذلك كثرة الأفعال في هذين البيتين و"الأفعال وطغيانها على النص الأدبي تدل على ارتفاع درجة الانفعال عند المنشئ وعلى العكس من الأسماء والصفات التي تدل على العقلانية ومعادلة بوزيمان تقوم على هذا الأساس" (13) . ... فما تني أحشاؤها تخفق