أقف هنا أمام تشبيه موسع معقد مقصود لذاته يؤكد ذلك تصدر أداة التشبيه في أول المقطعة، وتبرز في الصورة عناصر جديدة منها الشمس التي تسبب هذا اللمعان على سطح البحر بإرسالها أشعتها الذهبية إليه، وعلى صفائح السيوف الصقيلة وتستوقف الدارس كلمة"متن"التي توحي بأن البحر مخلوق له ظهر والأقرب أن يكون حيوانيًا لأن ظهره مسطح ووجود هذا اللمعان على ظهر هذا المركوب يدل على أنه أملس ناعم حرون"يزل الغلام الخف عن صهواته"أي صعب الركوب. ومن العناصر الجديدة أيضًا الدروع فالجيوش في مجنات طوال واسعات مما يجعل لونها المعدني يقترب أكثر من لون البحر وقت الشروق لذلك كان تحديد زمن التقاط الصورة مهمًا جدًا لتحديد الألوان والأضواء والظلال، كما أن هذا الزمن هو- عادة- وقت خروج الجيوش للقتال وتكرار هذه الصورة يدل على وضع العرب العسكري ويشي بالرهبة التي يحملها العرب تجاه البحر. ويقع هذا الوصف في صورة واحدة مألوفة في خطوطها العامة، بيد أن دقة الشاعر واستقصاءه جزئياتها ومحاولة الإبداع فيها جعلتها تمتد لتشمل بيتين اثنين وهذا ما يسمى في نقدنا القديم: التضمين (10) . ... وما تفارق منه روعةً رُوعي
وقد حظيت صورة البحر الغاضب الصاخب بمقطعتين قصيرتين عند ابن حمديس أدخل فيهما عنصرًا طبيعيًا آخر هو الريح، المسبب الحقيقي لاضطراب البحر وهيجه يقول في الأولى:"وقال في البحر:"
وأخضرٍ حَصَّلتُ نفسي به ونجت
رغا وأزبد والنكباء تغضبه ... كما تعبث شيطان بمصروع" (11) "
ويقول في الثانية:"وقال في البحر: ... من نكبة هوجاء حل وثاقها"
ومنسم الآذي يعنق شطه
وكأنما رأت الحقاق فعجعجت ... فيها القروم وأزبدت أشداقها" (12) "