فتلك النصوص العميقة الغور وغير المترجمة من الأدب العربي العالي، كمؤلفات أبي العلاء المعري وابن عربي وما ماثلها لم تسترع انتباه دانتي بطريق مباشرة، ولكنه من المحتمل أن يكون إنتاج من الأدب العربي الشعبي، تلذ مطالعته وله طابع تهذيبي، قد وصل إلى دانتي ووقع تحت بصره وعينيه؛ ذلك لأنه من المؤكد أن ذلك الإنتاج (وهو كتاب المعراج) قد وصل إلى البيئة التي كان يعيش فيها دانتي وانتشر في الجو الثقافي الذي كان يستنشق هواءه، وهو أمر ثبت لدينا بعد نشر ترجمات الكتاب اللاتينية التي سبق لنا ذكرها، والتي يرجع الفضل في وجودها الأول إلى ما تحلى به ملك إسبانيا الفونسو من حب استطلاع مبدع خلاَّق. وبهذه الوسائل، وربما بها وحدها، نستطيع أن نتحدث عن اتصال مباشر، لولا ذلك ما كان ليخطر ببال، بين ثقافة دانتي (وأعني بها ثقافة الشاعر وثقافة مجتمعه) وبين المجموعة العظيمة من المواد العربية التي جمعها آسين، تلك المجموعة التي كان اتساعها وتنوعها عائقًا في طريق قبول نظريته. وخلاصة القول فقد ثبت الآن وجود هذا الاتصال غير المباشر بصورة واضحة المعالم. وإلى هذا الحد وبموجب هذه الشروط، يبدو حدس آسين لنا جميعًا في الوقت الحاضر ثابتًا ساطع النور. أما إذا تعدينا هذا الحد فسنجد آراء متعددة مختلفة فيما يتعلق بكيفية تفسير المختصين بدراسة دانتي للحقائق التي تمَّ إثباتها؛ وكما رأينا، فهنالك من يرى أن الاتصال الذي تم إيضاح طريقه، يثبت الدور الرئيسي الحاسم الذي يقول آسين أن فلسفة الحشر والنشر الإسلامية قد لعبته في خلق أعظم قصيدة مسيحية. ولكن هنالك من جهة أخرى أولئك الذين، بنتيجة التمحيص والتدقيق والمقارنة الماهرة، يعترفون بوجود اقتراحات وإيحاءات، طابعها التعميم، وصور ودوافع رافدة، طابعها التخصيص، دخلت جميعًا في روحانية وثقافة وخيال، ليست سامية ومتفوقة فحسب، بل ومختلفة عن تلك الاقتراحات والدوافع والصور اختلافًا تامًا جذريًا.