ولذلك فإن المحرر الإيطالي لكتاب المعراج يستنتج أن القصيدة المقدسة لا يمكن مقارنتها بجامع قرطبة، المكرَّس الآن لمذهب يختلف عن المذهب الذي أنشئ هذا البناء الرائع في سبيله، ولكن لكي نقدم مثالًا هندسيًا أكثر ملاءمة لعلاقة دانتي بالعالم العربي، يجدر بنا أن نلجأ إلى ذلك العمود العربي الإسباني، المنقوش عليه اسم صانعه المسلم والقائم في بناء مسيحي خالص، من الوجهتين التاريخية والفنية وفي مجموعه وجميع تفاصيله، ونعني به كاتدرائية بيزا، حيث ما زال العمود المذكور يشهد بفن مجيد آخر بعد أن أخذ عرضًا ونتيجة لحادث معين خاص واستخدم في إعطاء شكل رسمي ظاهري لمثل أعلى يختلف عنه في الناحية الدينية، والشكل الظاهري.
إن أحدث دراسة شاملة للمشكلة القديمة التي أثارها آسين لأول مرة وأعيدت دراستها الآن على ضوء أحدث اكتشاف في الموضوع يؤدي بنا إلى النقطة التالية: وهي كما أسلفنا أن العالمين اللذين ترجما كتاب المعراج هما أبعد ما يكونان عن الاتفاق في النتائج التي توصلا إليها وفي أسلوب استخدامهما لترجمتيهما. أما تقرير أيُّ الاثنين يجب أن نتبع في موقفه واتجاهه (ويبدو من نافلة القول أن أذكر هنا أيًا من المترجمين الاثنين يعتبره كاتب هذه الأسطر مصيبًا) فهذا يتوقف على إدراك الناقد الفرد وحاسة الحكم الصحيح على الأمور عنده، معززين، كما يجوز لنا أن نضيف، بالاطلاع المباشر على إنتاج دانتي تفكيره وفنه، وهو اطلاع كان آسين العظيم يتمتع به ولا ريب، بخلاف بعض الذين رجعوا إلى كتابه. ولكننا نرى أنه، حتى في نتائجهما المتعارضة سار محررا المعراج الذي نقل إلى الغرب بفضل الملك الفونسو شوطًا كبيرًا من الطريق مترافِقَين، والحقيقة هي أن هذا الجزء المشترك من الطريق الذي تكتنفه حقائق إيجابية لا يشوبها أي خلاف في التفسير، هو الذي يدلنا على مدى النصر الذي أحرزه آسين بعد وفاته.