والأمر على خلاف ذلك حين ننتهي من قراءة كتاب كركغارد. فقد نصطدم بعقبات إِذ نجد أفكارًا قد عدَّل صاحبها بعضها في كتابات أخرى وعَدَل عن بعضها الآخر أو ضرب صفحًا عنه. هذا الكتاب بالجملة شاهد على مرحلة مسماة من مراحل حياة المؤلف الفكرية. وليس من الضروري أن يكون لها علاقة ما بالمراحل الأخرى لهذه الحياة نفسها. الباحث في الغرب يبرهن على نبله وأمانته ووفائه لنفسه إذا هو ترك أفكاره القديمة واختار أفكارًا جديدة.
ويعد الغربيون ذلك نضجًا عقليًا. أما في الشرق فَيُنظر إلى هذا الشخص بحذرٍ وريبة. الأمانة في نظر الغرب لا تكمن في الثبوت الذاتي، على حين لا يرتفع في نظر الشرق إلى مرتبة الأمانة أمر لم يتَحلَّ بالثبوت الذاتي.
يجب ألاّ يغيب عن البال ونحن نقرأ كتاب كركغارد أن هذا الكتاب قد كتبه مؤلفه في إبان عاصفة عاطفية لكي يتغلب عليها. تخيل الفيلسوف أن الله لا يريد منه أن يخطب الفتاة التي كان يحبّها ففسخ خِطبته لها. ومع ذلك فقد كان يأمل في أعماق قلبه أن ترجع تلك الخطيبة إليه. فوجد في قصة إبراهيم صورة لحزنه من الناحية الفلسفية التي هي صفة الكتاب، نجد أن التأويل الذي يؤوله قصة إبراهيم ناشئ عن المشكلات العاطفية التي وقع هو فيها، وأن الآراء التي ينسبها إلى إبراهيم إن هي إلا نتائج مباشرة لتلك المشكلات العاطفية الخاصة به.