اخترت ابن عربي لأنه من أكابر الشيوخ المسلمين الروحانيين، واخترت كركغارد لأنه من أئمة الروحانية في الفلسفة الغربية ومن أعلاهم مكانة في العصر الحديث. وفوق ذلك انتخبت كتاب كركغارد هذا لأنه غدا مصدرًا مرموقًا للزاد الفكري عند معظم المفكرين الروحانيين والفلاسفة الغربيين. هؤلاء الفلاسفة سواء أكانوا مؤمنين أم ملحدين يفيدون من قصة إبراهيم (أو من تأويل كركغارد لها على الأقل) إفادة ذات دلالة. نجد مرسيا إلياد مثلًا وهو أستاذ الموازنة بين الأديان يجعل من تلك القصة الموضوع الأصلي للدينين اليهودي والمسيحي بل جوهرهما. ووجهة نظره مشتقة في الواقع من وجهة نظر كركغارد. وليس ثَمَّت في رأينا كتاب نستطيع من خلاله أن نقْدِر الفلسفة الغربية حق قدرها مثل ذلك الكتاب. وكذلك كان الشيخ الأكبر ابن عربي قد فسر المعنى الخفي الباطن لتلك القصة. وأرى إذن أن أفضل السبل إلى غايتنا إنما هو في عقد موازنة بين هذين الكتابين لنكشف شيئًا فشيئًا عن الجوهر الأصلي الخاص بكل من الشرق والغرب.
يبرز التفاوت بين الغرب والشرق مُذْ نتأمل نهجي الكتابين. فنحن إذا قرأنا الفصول الثلاثة من كتاب"فصوص الحكم"وحدها فليس من المتأكد أن يستيسر لنا فهمها تمامًا.
بل ربما أفضينا منها خطلًا إلى نتائج لم يقصدها المؤلف. ذلك أن تلك الصحائف أجزاءٌ من فكر منظَّم تستند أسسه إلى القرآن وإلى الحديث.
هنا السبيل إلى فهم الأجزاء دون فهم الكلّ الذي ينتظمها. ولهذا السبب كان الشيخ شهاب الدين السهروري ينصح لمريديه ألاّ يلتقوا ابن عربي إشفاقًا عليهم من الكفر. ذلك أن تفسير ابن عربي لقصة إبراهيم ليس أفكارًا مجزأة مبتسرة عابرة وإنما على العكس ثمرة فحص دقيق في أسرار القرآن استغرق حياته كلها. قد نستخلص من رسائله وكتبه الأخرى مقايسات وتوكيدات لذلك التفسير دون أن تختلف عنه أو تناقضه.