فهرس الكتاب

الصفحة 9589 من 23694

قيام العصر الذهبي والرغد الذي يسوده

إنما حلموا بذلك المكان على جبل"باركاسوس"

إن دانتي نفسه ليلفت انتباهنا في هذه الأبيات من الشعر إلى الصور السامية التي كانت تسبح أمام خياله السامي عندما أبدع بمقاطعه الشعرية الثلاثية الخالدة الغاية الإلهية كثيفة ونابضة بالحياة: ومع ذلك فالمرء لا يستطيع أن ينكر إنكارًا تامًا ما حصل عليه شاعرنا من إلهام في عمله الإبداعي من ذكريات (فردوس المباهج) ، في كتاب المعراج وما فيه من ملذات هادئة، لكنها صبيانية، وينبوع مزدوج من أرواح البشر والعرائس اللاتي كن في انتظار هذه الأرواح بحب وشغف. ولكن حتى في هذه الحالة فإن إمكانية وجود العنصر الإسلامي متحدًا بعناصر أخرى كثيرة، أعظم منه حيوية ورضوخًا في ذهن الشاعر، أمر يجب أن لا يبالغ فيه إلى حد يتعارض مع ما يمليه العقل أو يتعدى حد الاحتمال، ويجب تبعًا لذلك أن لا يطلب إلينا اعتباره مصدرًا رئيسيًا وموجِّهًا للإلهام. وإننا لنتساءل: ترى هل كان على دانتي أن يقرأ في كتاب المعراج عن حور محمد ليحلم أنه رأى من جديد في مجد الفردوس الأرضي بياتريس، تلك التي كانت أسمى تجربة روحية في شبابه والنجم القطبي لحياته؟ وهكذا يمر شيرولي مرًّا سريعًا خفيفًا بهذا الخضمّ الواسع من المتشابهات، (لا بسبب السطحية، بل لدقة وروعة المعالجة) مختبرًا كلاًّ منها إزاء مبدئه الأساسي، وهو ما نردده هنا مرة أخرى، الاعتراف باحتمال امتزاج الدافع الإسلامي مع عدد كبير من المصادر الأخرى التي كان لها دومًا المكان الأول في ذهن دانتي وروحه، حتى ولو أنه من الثابت تقريبًا أن دانتي اطلع على كتاب المعراج، ذلك النص الوحيد الذي فتح أمامه الباب المؤدي إلى عالم آخر، لولا ذلك لبقي غريبًا عن روحه، وغريبًا عن القيم الأساسية لنفسه اللاتينية المسيحية ومناقضًا لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت