فهرس الكتاب

الصفحة 9588 من 23694

إن شيرولي عندما يستعرض أكثر هذه المتشابهات اتصالًا بموضوع البحث لا يغيب عنه أن يؤكد أهمية كل منها، ليس على حدة وانفصال، بل كجزء متحد بالمصادر الأخرى العديدة للإلهام التي كانت قريبة المنال لدانتي ومألوفة بالنسبة إلى ثقافته وخياله: ومنها المصادر الكلاسيكية الإغريقية اللاتينية، والتوراة والإنجيل والمصادر المسيحية، وهي مصادر ساهمت في تكوينه الروحي (ذلك لأن أي اطلاع خاص من قبله على أمور العالم العربي الإسلامي هو، كما رأينا، مجرد افتراض ووهم) ، تلك المصادر التي كان بالإمكان في كثير من الأحيان أن توفر لدانتي الإلهام نفسه الذي يوفره له كتاب المعراج لتزويده بتفاصيل رؤياه. وهذه هي الحال مع نسر جوبتر الذي صوَّره دانتي حيث يمكن توحيد المصادر الكلاسيكية ومصادر التوراة المعروفة ودمجها بالصورة الإسلامية للملَك الذي يتخذ شكل ديك كبير ويقف على الأرض السابعة، ولكنه يرفع رأسه عاليًا حتى يداني عرش الإله وينشد مسبحًا بحمده ومجده (4) . وكذلك فمن الواضح أن السلَّم الإلهي الذي يستخدمه الإله (Saturn) ، ذلك المرتقى الذهبي اللون، فقد استوحي في المقام الأول من سلَّم يعقوب الوارد ذكره في التوراة، ولكن هذا لا يستبعد الإلهام الجزئي من معراج محمد الممتد من القدس إلى الفردوس الذي أعطى كتاب المعراج اسمه. وهكذا فيما يتعلق بالمحاكمة على الجسر الدقيق المسمى بالسراط، القائم أمام الفردوس ومن تحته الجحيم تفغر فاها، فهي تبدو في نظر شيرولي مماثلة للمحاكمة بالنار التي يتعرض لها دانتي لبلوغ الفردوس الأرضي، هذا الفردوس الذي تبدو الدوافع الإسلامية لوصفه وصفًا أقرب إلى الحس وأكثر إيحاء، رغم أنه ينبغي أن لا ننسى الدور الذي تلعبه في هذا الإيحاء أساطير التوراة عن جنة عدن، والأسطورة الكلاسيكية عن حالة البشرية البدائية البريئة المباركة التي يشير إليها دانتي بقوله:

لعل الذين أعلنوا في غابر الأزمنة في أناشيدهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت