إن هذه الناحية لأكثر عمقًا ودقة، من نواحي القصيدة، استأثرت باهتمام عالم واحد فقط من العالمين اللذين فسّرا كتاب المعراج، أما بالنسبة إلى العالم الآخر مونوز (Munoz) فالعلاقة بين الكتاب المذكور والكوميديا لا تعدو علاقة الأنموذج بالتقليد، التقليد الذي عملت فيه بطبيعة الحال يد التحسين والتجميل، وأضفت عليه صفة البهاء الروحي، ولكنه على أي حال تقليد مباشر لا لبس فيه، وما كان ليخطر ببال لولا وجود السابقة الأولى. وبعبارة أخرى إن وجود كتاب المعراج، وثبوت انتقاله إلى عالم دانتي، هما دليلان كافيان لأن يثبتا بصورة آلية الاعتماد المباشر للاحق على السابق في السلسلة الطويلة من أوجه التماثل التي أوردها آسين، وهي أوجه التماثل في أسلوب التأليف وفي الفكر الأخلاقية واللاهوتية وفي الصور ورواية الحوادث، وذلك من أسلوب تصميم الأقسام الثلاثة للعالم الآخر، إلى أسلوب العقاب، إلى مباهج الفردوس الأرضي، إلى الرؤى التي تبهر الأبصار في الفردوس السماوي. ويرى مونوز أن سلسلة آسين القائمة على أساس أوجه الشبه واعتماد حلقة على أخرى، لا تقبل النقض أو الجدل، وكل ما ينقصها هو البرهان على وسيلة النقل التاريخية. ولما كنا قد وجدنا الآن هذه الحلقة في كتاب المعراج، فقد انتهى الأمر وصار كل عنصر من عناصر الرؤى الإسلامية، مهما غمض الشبه بينه وبين رؤيا دانتي، يؤلف رابطة مباشرة بين الأصل والتقليد، أو بين الأصل والفرع، بل قُلْ رابطة بين السبب والأثر. وفي هذه الحال فالكوميديا الإلهية يجب أن تذكرنا في الحقيقة بجامع قرطبة العظيم الذي كُيِّفت أعمدته الشرقية المرَّاكشية بما يتلاءم هو ومذهب التثليث المسيحي.