فإذا كان هناك والحالة هذه من يعتبر العصبية القومية الإيطالية العقبة الأساسية التي حالت دون قبول افتراض آسين، فعلى مثل هذا أن يدرك أن الفكرة الإيطالية في فلسفة النقد والجمال، هذه الفكرة التي ذاع صيتها في سائر أنحاء أوربة، هي التي تأبى علينا، نحن معاشر الإيطاليين، أن نقابل بالفتور مشكلة لا تمت بصلة إلى سمو فن دانتي وصفته الشعرية الفذة، حتى لو كان دانتي مدينًا لابن عربي بكل ما اعتقد آسين أنه مدين له به (وسنرى فيما بعد أن تنبؤات آسين قد ثبتت صحتها في اتجاه آخر) ، فلا ينبغي لنا نحن الإيطاليين من عشاق الشعر أن يخطر ببالنا قط أنه قد ينشأ عن هذا أي انتقاص، مهما ضؤل، لعظمة دانتي في الناحية التي وهبها لنا على وجه ليس له بديل أو مثيل، ألا وهي الناحية الشعرية. فدانتي الشاعر لا يرقى إليه لوم أو تجريح، وقصيدته قد تقبل النقد إلا من وجهة النظر الفنية الجمالية؛ والمستشرق الإسباني العظيم كان في مقدمة من أدركوا هذه الحقيقة البسيطة وأعلنوها. والواقع أن أخطر الانتقادات التي وُجهت إلى كتاب آسين كانت تتصل بمناح أخرى غير هذه التي ما كانت لتعتبر وجهة نظر شرعية محقة، وعلى هذا الأساس وحده نشأت أخطر الشكوك بصدد افتراضات المؤلف. فهل كان دانتي يعرف من اللغة العربية ما يؤهله للاطلاع على المواد التي استطاع آسين البحاثة العالم أن يبرزها للمقارنة بقصيدته؟ وهل كان في الحقيقة أكثر اطلاعًا من عامة معاصريه على شؤون العالم العربي الإسلامي؟ وكيف تيسر له الاطلاع على إنتاج ابن عربي أو أبي العلاء المعري وكلاهما يتصف بالغموض والإبهام؟ وأي دليل على أن مؤلفات هذين الكاتبين أو أي إنتاج عربي آخر يبحث في فلسفة الحشر والنشر قد ترجم إلى لغات غربية؟ إن هذه جميعها مشكلات تقع في مجال أبحاث التاريخ الثقافي، ويجب علينا حلها إذا أردنا إثبات أسباب التشابه بين فلسفة الحشر الإسلامية وفكرة الحشر عند دانتي كما أوردها آسين.