فتوهم نفسك إذ منَّ عليك ربك وأنت لاصق برفيقك منكبك بمنكبه، وقد دنوتما من أشجار الجنة فنفضت ثمرها فوقعت الثمار في أيديكما وأيدي أولياء الرحمن، ثم تنحت بأصولها عن طريقهم فهم يسيرون فرحين، وقد شخصت قلوبهم بالتعلق إلى نظر حبيبهم فهم يسيرون بالسرور ويلتفت بعضهم إلى بعض يتحادثون ويضحك بعضهم إلى بعض، يتداعبون في سيرهم، يحمدون ربهم على ما صدقهم على ما أباح لهم من جواره؛ فبينا هم في سيرهم إذ دنوا من عرش ربهم وعاينوا حسن حجبه ونوره واستحثوا السير شوقًا وحبًا وفرحًا به. فتوهم نجائبهم تطير في سيرها باعتدال موكبهم وإشراق وجوههم والملائكة قد أحدقت بالنجائب تزفهم زفًا إلى ربهم حتى انتهوا إلى فحصة عرش مولاهم، فتوهم سعة تلك الفحصة وحسن نورها ببهجتها وزهرتها، وقد وضعت الزرابي والنمارق على كثبان المسك، عرف كل فتى منهم ما أعدله، والكراسي لأهل صفوته من عباده، وأحبائه من خلقه، لما دنوا إلى ما أعد لهم من المنابر والكراسي والزرابي والنمارق، فثنى رجله الحسنة من الركاب إلى منبر أو كرسي أو زريبة؛ فتوهم ثنيهم أرجلهم إلى كراسيهم، حتى استووا عليها، فتوهم نعيم تلك الأفخاذ والأوراك المرتفعة على الكراسي بالدر والياقوت، فأعظم به من مقعد وأعظم بولي الله متربعًا. فلما أخذ القوم مجالسهم واطمأنوا في مقعدهم والحجب تسطع نورها فيا لذة أعينهم، وقد أصغوا بمسامعهم منتظرين لاستماع الكلام من حبيبهم؛ فتوهمهم في مقعدهم الصدق الذي وعدهم مولاهم ومليكهم في القرب منه على قدر منازلهم، فهم في القرب منه على قدر مراتبهم، فالمحبون له أقربهم إليه قربًا إذ كانوا له في الدنيا أشد حبًا، وأقرب إلى عرشه منهم القائمون بحجته عند خلقه، ثم الأنبياء عليهم السلام ثم الصديقون على قدر ذلك في القرب من العزيز الرحيم، فأعظم به من مزور، وجلَّ وتكبر من مزور.