فتوهم كيف وقوع الصوت في مسامعك وعقلك وتفهم بعقلك بأنك تأتي إلى العرض على الملك الأعلى فطار فؤادك وشاب رأسك للنداء لأنها صيحة واحدة بالعرض على ذي الجلال والإكرام والعظمة والكبرياء. فبينا أنت فزع للصوت إذ سمعت بانفراج الأرض عن رأسك، فوثبت مغبَّرًا من قرنك إلى قدمك بغبار قبرك، قائم على قدميك شاخص ببصرك نحو النداء، وقد ثار الخلائق كلهم معك ثورة واحدة وهم مغبَّرون من غبار الأرض التي طال فيها بلاؤهم. فتوهم ثورتهم بأجمعهم بالرعب والفزع منك ومنهم، فتوهم نفسك بعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وغمومك وهمومك في زحمة الخلائق، عراة حفاة صموت أجمعون بالذلة والمسكنة والمخافة والرهبة، فلا تسمع إلا همس أقدامهم والصوت يمده المنادى، والخلائق مقبلون نحوه وأنت فيهم مقبل نحو الصوت، ساعٍ بالخشوع والذلة، حتى إذا وافيتَ الموقف ازدحمت الأمم كلها من الجن والإنس عراة حفاة، قد نُزع المُلك من ملوك الأرض ولزمتهم الذلة والصغار، فهم أذلّ أهل الجمع وأصغرهم خلقة وقدرًا بعد عتوهم وتجبرهم على عباد الله عز وجل في أرضه. ثم أقبلت الوحوش من البراري وذرا الجبال منكسة رؤوسها لذل يوم القيامة بعد توحشها وانفرادها من الخلائق ذليلة ليوم النشور لغير بلية نابتها ولا خطية أصابتها؛ فتوهم إقبالها بذلها في اليوم العظيم ليوم العرض والنشور، وأقبلت السباع بعد ضراوتها وشهامتها منكسة رؤوسها ذليلة ليوم القيامة حتى وقفت من وراء الخلائق بالذل والمسكنة والانكسار للملك الجبار، وأقبلت الشياطين بعد عتوها وتمردها خاشعة لذل العرض على الله سبحانه، فسبحان الذي جمعهم بعد طول البلاء واختلاف خلقهم وطبائعهم وتوحش بعضهم من بعض قد أذلّهم البعث وجمع بينهم النشور.