أما إشارة سعد إلى ملوك الغساسنة، فقد وردت في (البيان والتبيين) حيث يقول الجاحظ:"والدليل أنهم كانوا يقاتلون بالليل قول سعد بن مالك في قتل كعب بن مزيقياء- الملك الغساني:"
وليلة تبع وخميس كعب
فلم نهدد لبأسهم ولكن ... ركبنا حد كوكبهم ركوبا
بضرب يفلق الهامات منه ... وطعن يفصل الحلق الصّليبا""
ويفهم من هذه الأبيات أن التبابعة والغساسنة، أو بعض ملوكهم، قد غزوا بني بكر- قوم الشاعر، فأخفقوا في غزاتهم تلك، وقتل أحد ملوك الغساسنة. وإذا كان سعد يذكر في شعره اسم قائد الجيش الغساسني، فإنه لم يحدد لنا أي تُبَّع من التبابعة غزا بكرًا. ... فلم تر عيني مثل سعد بن مالك
ولكننا نرجح أنه أحد التبابعة الذين وجدوا في أواخر القرن الخامس الميلادي. أما الملك الغساني الذي دعاه الشاعر كعبًا، فلعله كعب بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حراثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد... الذي ذكره ابن حزم (23) .
ولكن ليس لدينا ما نقطع به بأن كعبًا هذا، هو المراد في شعر سعد، ولا سيما أن اليعقوبي يذكر أن كعبًا هو جفنة الغساني- أول ملك من الغساسنة، انتزع الملك من بني سليح الضجاعمة (24) . فهل قام جفنة بغزو بني بكر، وقُتل هو، أو قُتل قائد من قادة جيشه يدعى كعبًا في هذه الغزوة، فأشار سعد بن مالك إلى ذلك في شعره؟
وعلى أية حال فإن الملك المقتول، هو من غسان في الأعم الأغلب. ويؤيد ذلك أن طرفة ابن العبد البكري قد افتخر بذلك الحديث بقوله:
رأيت سعودًا من شعوب كثيرة
أبي أنزل الجبار عامل رُمحه ... عن السرج حتى خر بين السنابك
فقال الأعلم الشنتمري (476هـ) شارحًا الشطر الأول من بيت طرفة الثاني هنا:"وقوله: أبي أنزل الجبار عامل رمحه، يعني الملك الجبار، وأراد بعض ملوك غسان" (25) . ... ولم تك لولا ذاك للقوم تقرع