ومنذ تلك العصور التاريخية أدى الري المستمر للتربة ذاتها، دون صرف في الأعماق، إلى تراكم الملح وإلى نقص الأرض الصالحة للزراعة نقصًا منتظمًا. وبوسعنا اليوم، مشاهدة خط متبدد من أشجار النخيل يتلامح في أرض مائلة للبياض تقريبًا من ضفاف النهر. وفي المنطقة الجنوبية تمر الأجزاء السفلية من مجرى نهر دجلة والفرات عبر منطقة من السبخات لا تزال فيها رقاع من الأرض تزرع تحت ظلال أشجار النخيل حيث تم الحفاظ على الأرض بعزلها بحواجز يتجول الناس حولها بقوارب صغيرة. وفيما عدا زراعة النخيل لا توجد زراعة أخرى إلا للخضروات.
نهر الفرات:
أما نهر الفرات الذي ينبع أيضًا من الجبال الأرمينية، فإنه يتجه نحو الغرب أولًا ثم يصنع عروة كبيرة يتدفق بعدها هابطًا نحو الجنوب الشرقي ويقترب أكثر فأكثر من دجلة، ثم يتابع مسيره ليلتقي به عند القرنة ليكوِّنا معًا شط العرب الذي يصب في الخليج العربي.
ولا يكاد نهر الفرات يتجاوز منبعه في الجبال المجاورة لبيرسيك إلا قليلًا حتى يقطع منطقة جرداء. ويتسع سرير النهر ويضيق في تعرجاته باتساع الوادي وضيقه؛ ومع أنه يختنق غالبًا بين جرفين فإنه يروي سهولًا ضيقة على ضفتيه قد تكون طويلة جدًا. وهو يهيمن بدءًا من منطقة مسكنة إلى أقصى العروة الكبيرة على وادٍ عرضه من 3-6 كم وطوله من 20-25كم قبل أن يصل إلى سد الطبقة. وله السعة ذاتها في أخفض أقسامه التي تصل حتى تل الحريري (ماري القديمة) .