فهرس الكتاب

الصفحة 9472 من 23694

والأمطار ليست نادرة، والربوع ممرعة. وقد نشأت هنا حضارة سكان الكهوف في البداية لتظهر فيما بعد القرى الأولى، لأن الأمطار المعزوة إلى الجبال المجاورة تؤمن مناخًا ملائمًا للمراحل الباكرة للزراعة. وعلى محاذاة بغداد يصبح الفصل بين جفاف الجنوب والاخضرار النسبي للشمال لافتًا للنظر. أما إلى الجنوب من بغداد فإن المنطقة، الآن، قاحلة عمليًا باستثناء المستنقعات في منطقة القرنة والبصرة والناصرية؛ وفي هذه الرقعة يسمح الماء، وهو أكثر وفرة من اليابسة، وفي النطاقات التي تنجو من التملح، باستثمار اقتصادي للأرض لا نصادفه في أي مكان آخر. وتجري الوسطى، التي تبدأ من قرية 50 كم تحت الموصل وتمتد حتى أبواب بغداد، في منطقة سهبية. وفي الشمال فقط تمتد الأحواض العليا على جانبي الزاب في أراض خصبة؛ إلا أن غناها يعود لقربها من الجبال وكثرة تساقط الأمطار وهنا ولدت زراعة بلاد ما بين النهرين. والقطاع الغني الآخر هو قطاع ديالى في الشمال الشرقي من بغداد، حيث ترويه سلسلة من الروافد الصغيرة القادمة من جبال زاغروس؛ وتخترق هذه الأراضي جميعًا شبكة من الأقنية صنعتها يد الإنسان. وهكذا أمكن، فيما يتعلق بحوض دجلة، للزراعة أن تنتشر انتشارًا عفويًا في الشمال والشمال الشرقي فقط. ومن هنا جاء ثراء الآشوريين الذين جعلت منهم نشأتهم الأولى فلاحين، ومكنتهم من التوسع الاقتصادي والتجاري والحربي. أما في الجنوب -حيث القحول صارخ في أيامنا- كما في منطقة ديالى، فإن النهضة الزراعية تعود إلى عدم تهاون السكان في شق الأقنية، وإقامة السدود، وحفر شبكة كاملة من المصارف والخنادق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت