ولما كان الصبيان يأتون إلى الكتاب صغار السن، لذا كان على الأهل أن يؤمنوا من يرافقهم في غدوهم ورواحهم إلى الكتاب، وأطلق على هذا المرافق اسم السائق واشترط فيه أن يكون"أمينًا ثقة متأهلًا، لأنه يتسلم الصبي في الغدو والرواح وينفرد به في الأماكن الخالية ويدخل على النسوان فيلتزم أن يكون كذلك" (11) .
وتعد مثل هذه الأمور ظاهرة اهتمام واضحة من المسلمين بسلامة أطفالهم، وخاصة من خلال تلك القواعد التي وضعوها ورعوا فيها الظروف الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع، فوضعوا شروطًا وقيودًا للمحافظة على الأطفال من بعض الأمراض الاجتماعية التي كانت منتشرة، وقد امتد الاهتمام بالأطفال ليشمل أوقات الراحة والذهاب إلى المنزل والعودة منه.
أما معلم الكتاب فقد جمع مهامًا متعددة بيده، ومهمته تشبه إلى حد ما مهمة المعلم المنفرد، لكنه يتصرف ضمن لوائح وإرشادات معينة لا يحق له الخروج عنها.
"وقد تحرى أجدادنا -رحمهم الله- جهدهم في انتخاب المعلم الذي يتولى تعليم صبيانهم، فلا يختارون لهذه المهمة إلا من تقرر عندهم حسن أخلاقه، وتوفرت فيه خصال رشيدة جمَّة، منها الاشتهار بالاستقامة والعفاف، والعدالة مع الخبرة العامة بالقرآن وعلومه. وقد وضع الفقهاء المسلمون خصالًا ينبغي توفرها في معلم الكتاب، فالقابسي يرى أنه ينبغي أن يكون مهيبًا لا في عنف، لا يكون عبوسًا مغضبًا، ولا مبسطًا، مرفقًا بالصبيان دون لين، وينبغي أن يخلص أدب الصبيان لمنافعهم" (12) .
ولقد أنيطت مهمة الإشراف على معلم الكتاب بالمحتسب فاشترط بهذا المعلم أن يكون من"أهل الصلاح والعفة والأمانة، حافظًا للكتاب العزيز، حسن الخط، ويدري الحساب، والأولى أن يكون متزوجًا، ولا يفسح لعازب أن يفتح مكتبًا إلا أن يكون شيخًا كبيرًا وقد اشتهر بالدين والخير ومع ذلك فلا يؤذن للتعليم إلا بتزكية مرضية وثبوت أهلية" (13) .